اندفاعة أردوغان في حساباتها وطرائفها – إرم نيوز‬‎

اندفاعة أردوغان في حساباتها وطرائفها

اندفاعة أردوغان في حساباتها وطرائفها

عدلي صادق

أغلب الظن، بل معظم اليقين، أن رجب طيب أردوغان، يندفع الآن إلى حافة منزلق لن تقوم له قائمة بعده. وعلى الرغم من كون اندفاعته تغلب عليها الغرائز الإمبراطورية التي ولّى زمنها، فإنه يجد من يؤيدها من أوساط المال والأعمال في بلاده. فهو يحرص على استخدام غواية البحبوحة في أحاديثه لهؤلاء، ويعرف أن الوسط التجاري والصناعي التركي، يحلم بتقليد المثال الألماني. بل إن أردوغان في حديثه إلى العسكريين المتوجهين إلى ليبيا، استخدم الغواية نفسها، كأن للجنود علاقة بالحفر والتنقيب عن البترول والغاز في شرقي البحر المتوسط، أو كأنهم قادرون على فك أحجية هكذا إستراتيجية معقدة، على خارطة المصالح والقوى المتنافسة. فلم يقل للجنود مثلاً، إنه حارس العدالة والشرعيات في المنطقة، وأنه يساند حكومة معترفا بها. ولم يقل إنه يساند المشروع الإسلامي، على اعتبار أن الرحلة ستكون إلى وجهة ترابط فيها شراذم من جماعات لا تكف عن التذابح فيما بينها، وإن كانت تهدأ وتتحد، أمام الخطر عليها جميعا. فهي “سلفية جهادية” ذات أسبقيات جنائية، وخليط من “القاعدة” وتفريعاتها، وبعض جماعة “الإخوان”.

قال لهم أردوغان إننا ذاهبون إلى هناك، لكي نأخذ “حقنا” من الغاز والبترول. لم يجد أصوب من استخدام غواية الربح والعنصر الذي تفتقر إليه ثروات البلاد، وهو الطاقة. أراد أن يقول إننا، بالقوة المسلحة، وفي ظل الفوضى السائدة في الإقليم، يمكننا الحصول على البترول والغاز. ولم يقل لهم بالطبع، إن دولاً وازنة في الجوار، الأيمن والأيسر، وفي الجوار الشمالي، وربما الجوار الأفريقي، سترى في خطوته العسكرية تهديداً لأمنها ومصالحها، طالما أن المسألة تتعلق بالثروات وبترسيم الحدود في البحر، وتتعلق أيضاً بمحاولة تثبيت نظام تتشكل قوته العسكرية من أصوليين معلومين، استوطنوا العاصمة الليبية، منهم من جاء من الجزائر ومالي، ومنهم من هرب من مصر أو انتقل من سوريا والعراق. وأيضاً لم يقل إن لحكومة فايز السراج في طرابلس، مشكلة كبرى مع شعبها في الداخل، وأن هناك قوات مسلحة لها حلفاؤها وأنساقها العسكرية النظامية، ولها تأييد شعبي عشائري يمتد من شرقيّ البلاد إلى حدودها الغربية. فأيّ مغامرة هذه التي اندفع إليها أردوغان، وستأخذه حتماً إلى حافة الهاوية؟

بخلاف مجموعة الخيبات التي مُنيت بها السياسات الأردوغانية، وجميعها نتاج مزدوجات ارتباطاته مع قوى متناقضة؛ هناك افتضاح غامر لأكذوبة المشروع الإسلامي. فالسوريون الذين انتفضوا ضد الدكتاتورية، وتقمّص أردوغان دور السند الأول لهم، أدركوا أنه هو، قبل الروس والإيرانيين، الذي حرمهم من قطف ثمار انتفاضتهم، عندما سيطروا على أكثر من ثلثي البلاد، ولم تستطع قوتهم المسلحة، التي انشقت عن الجيش النظامي، الوصول إلى هدفها، بسبب عدم قدرتها على تحييد ما تبقى من القوات الجوية النظامية، وكان ذلك قبل أن يتدخل الروس بقواتهم الجوية. فقد حدد الأميركيون لأردوغان سقف التسليح، بالتوافق طبعاً مع الإسرائيليين. ولهؤلاء الأخيرين حساباتهم الكثيرة، المتعلقة بنوع الحُكم الذي يناسبهم في سوريا. وكان من بين هذه الحسابات، موضوع الطاقة.

ففي عام 2016 تحدث المسؤولون الإسرائيليون والأتراك، عن آفاق التعاون في مجال الطاقة، بين أنقرة وتل أبيب، واعتبروا أن هذا التعاون، سيكون الرافعة لتصحيح خلافاتهم الثنائية.

ومن المفارقات، أن تصفير المشكلة التي سببتها قضية السفن التركية إلى غزة، في العام 2010 ونجم عنها خفض مستوى العلاقات؛ جاء على قاعدة أن المصالحة بين العبري والتركي ستضع أساساً قوياً لعقود الغاز الطبيعي المستقبلية. وكان ذلك أهم الدوافع الأساسية لكلا الجانبين، في مناخ إقليمي تهب فيه الرياح الجيوسياسية في شرقي المتوسط، حيث تتنافس القوى الفاعلة، الإقليمية والدولية، على التأثير في اتجاهات تدفق الطاقة!

فعلى هذا الصعيد، أحس أردوغان بالندم الشديد على فترة الجفاء النسبي مع إسرائيل، لأن تلك الفترة، كانت بالنسبة إلى حكومة اليمين، فرصة لتعزيز الروابط مع قبرص واليونان.

وبحكم هذا الواقع، وجد أردوغان نفسه مندفعاً إلى الاعتداء، فذهب بقواته إلى شرقي الفرات على مقربة من مصادر الطاقة بذريعة الأكراد، ثم أحسّ أن المنفعة هناك غير مؤكدة، فتخطى حدوده لكي يحفر في مياه قبرص التركية وخارج حدودها الملتبسة، ثم يذهب يستزيد من المشاكل والتعقيدات، ويتحول إلى بعيد، عندما يذهب إلى طرابلس لكي يوقّع اتفاقية ترسيم وتحالف، مع حكومة رجل لا يمثل كل ليبيا ولا يحق له إبرام اتفاقيات دولية، من وراء برلمان شامل التمثيل لشعب البلاد. ولعل أطرف ما حدث بعد ندم أردوغان ع-لى ضياع فرصته الإسرائيلية هو تودده لتل أبيب متوسلاً إعادة تعزيز القيمة الإستراتيجية لأنقرة من خلال استبدالها بالشركاء الإقليميين الآخرين. وهذه النقطة تحديداً، تحدث عنها الإسرائيليون أنفسهم وليس خصوم أردوغان في العالم العربي وأوروبا.

الأطرف أيضاً، أن “مثلث الطاقة” الذي أحرزت إسرائيل عضوية فيه، بدد آمال أردوغان، فنَقَل البندقية من كتف إلى كتف، وفتش عن حليف جديد، ولو بشروط الحليف، فلم يجد سوى الروس. وهؤلاء، في استكمال الطُرفة، يريدون استخدامه أولاً لكي يكون حصان طروادة في حلف الناتو، وأن يتقرب تدريجياً من دمشق، وأن ينتهي تدخله في سوريا، بعد انتهاء أجل استراحته الراهنة في شرقيّ الفرات، لكي يصبح كمن أطعمه الله الحج، بينما الحجيج راجعون!

ولأن السياسة لا تخلو من كوميديا، فإن اليونانيين في نيقوسيا وأثينا، بدورهم ظلوا قلقين، لأن أردوغان ونتنياهو لا يؤمن لهما جانب. فحسب باحث إسرائيلي يُدعى غبرائيل ميتشيل، في معهد دراسات الشرق الأوسط في واشنطن، يخشى اليونانيون من أن يبادر أردوغان إلى إحاطة عنق نتنياهو بغصن زيتون، فتختلف الأمور. ذلك لأن كلاّ من صاحب الغصن ومن سيتلقاه انتهازيان ويبدلان المواقف. لذا يخشى اليونانيون في نيقوسيا وأثينا من انفراط عقد حلف الطاقة الثلاثي إذا قدمت أنقرة لإسرائيل عرضاً لا تستطيع تل أبيب رفضه!

لكن تل أبيب، في تحليل آخر، بدت حائرة، كيف ستوازن بين الرغبة في استعادة كامل العلاقات مع تركيا لأسباب متشعبة، والتزاماتها الحالية تجاه شركائها التي تعتبرهم أقرب وأكثر كياسة؟

غير أن اندفاعة أردوغان إلى ليبيا، بدت وكأنها اندفاعة اليائس. يقول لجنوده، اطمئنوا لن تكونوا في مواقع الاشتباك الأمامية، فمهمتكم لوجستية وخلفية. وهنا، هو يحدد طابع المهمة ويلجأ إلى التخصيص والتفصيل، بينما يتحمل كل أوزار المغامرة. والمعنى الموضوع للكلام، أن لا شيء يستحق القتال بضراوة. ولا مجال للافتراض، حسب سجلّه من الأعمال، أنه المحنك الذي يريد أن يتولى السلفيون القتال، لكي يرتاح من عبئهم، على أن يتكفل الروس بتأمين انسحاب آمن له، مع تأمين بعض فوائد من الشراكة اللوجستية على مستوى الطاقة، تضمن جعله زبوناً لديهم في سوق السلاح.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com