أردوغان والسراج يستبقان الحل الليبي باتفاق يحبطه – إرم نيوز‬‎

أردوغان والسراج يستبقان الحل الليبي باتفاق يحبطه

أردوغان والسراج يستبقان الحل الليبي باتفاق يحبطه

عدلي صادق

بحكم العلاقة الخاصة القائمة بين النظام التركي وحكومة فايز السراج في طرابلس، لم يكن مستغربا أن يبرم الطرفان اتفاقا لترسيم الحدود في البحر المتوسط، تنقصه المسوغات السياسية والاعتبارات الموصولة بالأمن القومي العربي، وحقوق الدول المشاطئة والعملية السلمية في ليبيا. فقد جاء الاتفاق بمثابة محاولة تأطير للعلاقة بين أنقرة والعاصمة الليبية طرابس، المزدحمة بالميليشيات الأصولية. وبدت العملية أشبه بمقايضة بين رجب طيب أردوغان وفايز السراج الذي بدا معنيا بتحقيق حُلم الإسلامويين العرب، إحراز جغرافيا سياسية منطوية على ثروات من النفط والغاز.

فعلى الصعيد السياسي ليس جائزا لرئيس الحكومة الليبية في طرابلس أن يوقّع اتفاقات دولية، وهو لا يمثّل إلا طرفا في صراع داخلي لا يزال جاريا. ذلك بمعنى أنه لا يملك، بموجب مرجعية تعيينه في موقعه (أي اتفاق الصخيرات)، الأهلية لإبرام تعاقدات تحسم قضايا جوهرية تتعلق بأراضي الدولة وحدودها البحرية. فهناك المجلس الأعلى للدولة، وهو الهيئة الاستشارية والتنفيذية وأمامها هدف تحقيق السلام في سائر أنحاء ليبيا بدعم دولي، وهناك حالة من التشظي السياسي الليبي، الذي انعكس من خلال تباين مواقف القوى والشخصيات السياسية والبرلمانية الليبية، حيال مؤتمر برلين لحل النزاع في ليبيا.

من خلال تتبّع التطورات الليبية، يتّضح بشكل لافت أن الوطنيين الليبيين يرفضون تماما أي محاولة إقليمية أو دولية، تؤيد بقاء الميليشيات في عاصمة البلاد، لاسيما وأن هذه الميليشيات تتدرج ما بين جماعة الإخوان والجماعات السلفية الجهادية الإرهابية التي تجلب الخراب وتفتح بطون الأوطان للعابثين. وفي ضوء هذا الموقف، فإن حضور تركيا مؤتمر برلين مرفوض تماما من قبل الوطنيين الليبيين. ولأن الباب سيكون مغلقا أمام أردوغان، الطامع في نفط وغاز ليبيا، فقد توافق مع السراج لكي يدخل من النافذة، بشفاعة آليات عسكرية وتدريبات ومعدات أخرى يرسلها للميليشيات التي اختارها السراج لتثبيت سلطته في العاصمة.

فالنظام التركي يحمل مشروعا لإدامة الصراع في ليبيا، وكان تدخّله أحد أسباب فشل بعثة الأمم المتحدة في إدارة عملية التوصل إلى سلام في ليبيا على أسس دستورية يتحقّق فيها للدولة الليبية شرط احتكار الحق في الإكراه، بالأصالة عن المجتمع الليبي ولمصلحته وبالقانون، مع تكريس هيبة الدولة. فقد تجاهلت البعثة الأممية الشرعية الوطنية الليبية وركزت على شرعية السراج، علما بأن الإعلان الدستوري، الصادر في الثالث من أغسطس 2011 ومجلس النواب المنتخب في العام 2014 يمثّلان المساحة الأهم من هذه الشرعية.

فضلا عن ذلك، يعدّ التجاهل المريب لمعطيات الواقع الليبي أو بالأحرى واقع العاصمة الليبية التي تسيطر عليها جماعات مصنفة إرهابية، سببا في فشل بعثة الأمم المتحدة وفشل اتفاق الصخيرات نفسه. وللأسف نتج عن هذا التجاهل تعديل الإعلان الدستوري لكي يعطي للسراج هامشا أوسع للمناورة والاحتفاظ بالميليشيات والتكيّف مع انتشار السلاح وتعدّد عناوين الجماعات المسلحة. وفي هذا السياق أجمع الليبيون على ضرورة استعادة هيبة الدولة، وعلى رفض المشاركة التركية، لأن أنقرة تدعم الميليشيات التي من شأن بقائها أن يجعل قيام الدولة أمرا مستحيلا!

في واقع الأمر يعتبر الأتراك طرفا موجودا على الأرض، يعزز القدرة العسكرية لطرف لا يعنيه قيام الدولة ويخترق التدبير الأممي بمنع تصدير السلاح إلى ليبيا. وواضح تماما أن أردوغان يستغل حاجة الميليشيات إلى التسلح، ويعتزم الدخول إلى ليبيا من بوابة طرابلس حتى ولو ظلت الحرب تطحن الليبيين. لذا لم يتردد في تزويد الميليشيات بالسلاح، وفي تعويضها عن خسائرها في المعدّات.

أما السراج، فهو يتجاوز حدود صلاحياته وقدرته بالمعيار الدستوري، وبالتالي لا يحق له أن يتصرف في أصول الدولة (الأرض والحدود وتقاطعاتها مع الجوار)، بينما هذه الدولة نفسها لا تزال في طور إعادة التشكل، وليس لديها سوى دستور مؤقت، وتنتظر السلام الداخلي لكي تعتمد دستورا دائما أو توافقيا. ثم إن اتفاق الصخيرات الذي أصبح بموجبه رئيسا للحكومة، هو محض وثيقة غير دستورية، لأن التوافق الوطني عليها لم يحدث ولا يزال مجتزأ. وعندما تصل عملية برلين لإحلال السلام إلى المرحلة الثالثة من خطتها، بلقاء الليبيين مع الليبيين، سيكون النجاح رهنا بالتوافق على عدم بقاء الميليشيات، وعلى ضرورة أن تسلم هذه الميليشيات سلاحها للدولة، وعدم حضور أي طرف يؤيّدها مؤتمر مدريد. فما يحتاج إليه الليبيون هو اتفاق سياسي في هذا الاتجاه.

من هنا جاء اتفاق السراج مع أردوغان عاملا يغذي الحرب لا السلام، ويفتح إشكالات أخرى لطرابلس، لأن مراعاة مصالح تركيا من شأنها مفاقمة الصراع وإبعاد الحل السياسي، إن لم يؤد إلى تعليق مسار برلين برمته. وهناك أيضا الجانب الإيطالي، الذي تدفعه مصالح شركة “إني” للمحروقات ومنصات الصناعة الاستخراجية الموجودة في ليبيا، إلى طرح مطالب أو اشتراطات ذات صلة بانخراط روما في الأزمة الليبية، ويسهم في معضلة تباين المصالح والأطماع في ليبيا. وجدير بالذكر في هذا السياق أن للميليشيات في ليبيا صلات مستترة بالقوى الدولية الطامعة في الثروة الليبية.

اليونانيون بدورهم، استاؤوا من اتفاق أردوغان والسراج، الذي يسمح للأتراك بدخول واستخدام المياه الإقليمية والأجواء الليبية دون إذن. وقال وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس، إن هكذا اتفاق يتجاهل أمرا شديد الوضوح، وهو أن في المسافة بين ليبيا وتركيا، هناك أراض يونانية تمثّلها جزيرة كريت، ومن غير المعقول أن الطرفين لا يريان هذه الكتلة الضخمة من الأرض. وعليه يرى اليونانيون أن الاتفاق غير شرعي ويمسّ حقوق الآخرين من الدول المشاطئة للبحر المتوسط.

لكن أسوأ ما يعبّر عنه الاتفاق هو تغاضي السراج عن حساسيات دول شقيقة ومصالحها الأمنية. فالمصريون يستشعرون الخطر الأمني من وجود الميليشيات الأصولية في طرابلس البعيدة عن حدودهم، لكن السراج يفتح المجالين الجوي والبحري، لدولة راعية لهذه الميليشيات. والاتفاق يدق ناقوس الخطر ويجلب لليبيا المزيد من عناصر الصراع، لأن مصر ومعها دول المحور المناوئة للمشروع الأردوغاني، سيرون في الاتفاق تحديا لهم. وقد بادر أردوغان إلى اتخاذ موقف عدائي من النظام في مصر، وعندما يجلبهم السراج إلى مياه ليبيا الإقليمية، ولا يراعي مصالح الدول المشاطئة، وهذا الذي سيجعلهم معنيين أكثر بدعم عملية استعادة الدولة بقوة الجيش الوطني الليبي، إذ سيعتبرون خطوة السراج انسدادا في وجه عملية السلام، ومكاسرة بين الإرادات، ومن المحتمل أن يُصار إلى استكمال عناصر عملية استعادة الدولة وإلى المساعدة في توافر قوة سياسية للجيش الوطني الليبي توازي قوته العسكرية وترفدها بزخم جديد كان ينقصها.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com