توافقات «الأطلسي» وخلافاته – إرم نيوز‬‎

توافقات «الأطلسي» وخلافاته

توافقات «الأطلسي» وخلافاته

عبدالوهاب بدرخان

ليست المرّة الأولى التي تشهد فيها قمم حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلافات علنية، خصوصاً منذ القمّة الأولى التي شارك فيها دونالد ترامب عام 2017، مسبوقاً بمواقفه كمرشح وتغريداته كرئيس، وكان محورها أن الدول الأوروبية تدفع قليلاً لقاء الحماية التي تطلبها من الولايات المتحدة وتحظى بفائض لمصلحتها في الميزان التجاري مع أميركا. ونجح ترامب في إرغام الحلفاء على زيادة مساهمتهم في ميزانية «الناتو»، إذ مضى إلى حد التهديد بانسحاب الولايات المتحدة من الحلف، أو بعدم التزامها الدفاع عن الغرب، لكنه لا يزال يطالب بالمزيد من الالتزام المالي لأن تسعاً فقط من الأعضاء الـ29 رفعوا مساهماتهم. غير أن ما أقلق الأوروبيين، وبالأخص فرنسا وألمانيا وحتى بريطانيا، هو أن ترامب واظب على التقليل من أهمية «الناتو» وجدواه وضرورات وجوده.

لم ينس الحلفاء أن ترامب انطلق بعهده مركّزاً على التقارب والتوافق مع روسيا، معتبراً أنه والرئيس بوتين قادران على فتح صفحة جديدة مختلفة في النظام العالمي، حتى أنه دعا إلى تجاوز الخلاف على أوكرانيا قائلاً إن بالإمكان إيجاد حل سريع لقضيتها. كان ذلك إنذاراً مبكراً للأوروبيين بأنهم للمرّة الأولى في تاريخ «الناتو» لن يكونوا على موجة واحدة مع رئيس أميركي. ولعل ما ساعدهم أن «مؤسسة الحكم» في الولايات المتحدة لم تكن متوافقة مع أفكار ترامب بالنسبة لبوتين وروسيا، ولا بالنسبة لأوكرانيا. وإذ برهنت «المؤسسة» لاحقاً أنها تستطيع فرملة اندفاعات ترامب نحو بوتين، فإنها استندت في ذلك إلى «التدخلات الروسية» في الانتخابات الأميركية. ومع ذلك لم تتبدّد مخاوف الأوروبيين الذين دخلوا في نقاش جدّي وعميق حول ضرورة أن يكون لأوروبا نظام دفاع ذاتي موازٍ للناتو ولا يعتمد كلّياً على أميركا. هذا ما أشار إليه أخيراً الرئيس الفرنسي ماكرون في التصريحات التي قال فيها عن «الناتو» إنه في حال «موت سريري»، بسبب خلل في استراتيجيته وفي التنسيق بين دوله.

كان من الطبيعي أن يُفهَم الموقف الفرنسي على أنه انتقاد لسياسات ترامب، الذي أدرك بدوره أنه مستهدف، فردّ بأن تصريحات ماكرون «بغيضة» و«مهينة»، ليخلص إلى أن «أكثر مَن يحتاج للناتو هو فرنسا»، ملمّحاً إلى أن الحلفاء هم الذين حرّروا فرنسا من الاحتلال النازي. وفيما طغى هذا السجال على افتتاح قمة لندن في الذكرى الـ70 لولادة «الناتو» فالأهم بالنسبة للجميع كان الخروج بإعلان ختامي يعيد الروح للمبادئ التي حتّمت إنشاء الحلف، والأهم معالجة أسباب التذمر والقلق لدى بعض الأعضاء.

يُستدل من «إعلان لندن» وتأكيده أن الحلف «دفاعي ولا يشكّل تهديداً لأي دولة»، أن هذه النقطة المبدئية هي التي استند إليها الأوروبيون في رفضهم التدخّل التركي في شمال سوريا. كما أنه بتجديده التركيز على التهديد الإرهابي كان الحلف حاسماً في عدم موافقته على طلب تركيا تصنيف «وحدات حماية الشعب» الكردية كمنظمة إرهابية، فـ«الناتو» يعتبر تلك «الوحدات» حليفاً بفعل محاربتها تنظيم «داعش». وكانت أنقرة هدّدت بعدم المشاركة في خطة «الناتو» لحماية دول البلطيق وبولندا، ما لم يُستجب لطلبها، لكنها تراجعت ووافقت على الخطة، ليس فقط لأن ترامب طلب ذلك من أردوغان، بل لأن الأخير لم يشأ إتاحة فرصة أمام الأوروبيين لفتح نقاش حول علاقته بروسيا ومنظومة صواريخ «اس 400».

لم يخرج الحلف عن موقفه التقليدي من روسيا، لأن نشرها الصواريخ الجديدة متوسطة المدى ألغى عملياً معاهدات قائمة بشأن هذا السلاح وبات يشكّل «مخاطر على الأمن الأوروبي الأطلسي»، لكنه أبدى انفتاحاً على الحوار معها «عندما تجعل تصرّفاتُها ذلك ممكناً». وكان ردّ بوتين أن روسيا لن تدخل سباق تسلّح مع «الناتو»، وأنها مستعدة لتمديد العمل بمعاهدة «ستارت 3» دون شروط مسبقة.. لكن «إعلان لندن» جاء بمثابة بيان أول يعترف فيه «الناتو» بأن الصين تتسلح بوتيرة سريعة مشكّلة «تحدّياً استراتيجياً» ينبغي أن يكون موضع تقويم، خصوصاً أنه مرفق بتنامي قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية. هذه هي الإشارة الأطلسية الأولى إلى «خصم» جديد في المجال الجيواسترتيجي ولابدّ من وضعه تحت المراقبة.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com