أطماع تتربص على الحدود مع القاهرة والرياض! – إرم نيوز‬‎

أطماع تتربص على الحدود مع القاهرة والرياض!

أطماع تتربص على الحدود مع القاهرة والرياض!

سليمان جودة

لا يختلف السلوك التركي إزاء مصر، عن السلوك الإيراني تجاه المملكة العربية السعودية، ففي الحالتين تتخيل طهران أن أوهام التاريخ التي تراودها، تمنحها الحق في نهب ثروات المنطقة من حولها، وكذلك تتخيل أنقرة إلى حد كبير. ولا تلتفت العاصمتان إلى أن ممارساتهما ليست فقط محل رفض لا يقبل الفصال، على المستوى الرسمي في القاهرة وفي الرياض، ولكنها ممارسات تصادف حائط صد على المستوى الشعبي، لدى كل مواطن في البلدين، ثم لدى كل مواطن عربي على طول أرض العرب وعرضها.

ويتجلى السلوك الإيراني عبر رغبة محمومة لديها، في الوجود على أرض العراق إلى الشمال الشرقي من المملكة، وفي التمدد عبر سوريا ولبنان إلى الشمال من بلاد الحرمين، وفي التسلل إلى اليمن من ناحية الجنوب السعودي، وحين جربت القفز إلى البحرين من جهة الشرق، فإنها وجدت قوات «درع الجزيرة» في انتظارها هناك، فاستدارت وعادت إلى داخل حدودها.

ولو كان في العاصمة الإيرانية مسؤول واحد عاقل، من بين مسؤولي حكومة الملالي، لكان قد سارع إلى قراءة ما يجري في العراق هذه الأيام على وجهه الصحيح. فبلاد الرافدين تنتفض منذ أكثر من شهرين، ليس فقط طلباً لخدمات عامة أفضل، ولا اشتياقاً لمستوى من الحياة أحسن وحسب، ولا دعوة إلى أن يستحي الفساد فيكون أقل، ثم لا شيء أبعد من هذا، ولا رغبة في توظيف أكفأ لموارد البلاد وكفى، ولكنها تنتفض في الأساس ضد الوجود الإيراني على الأراضي العراقية، التي هي أرض عربية قبل أن تكون أي شيء آخر.

ذلك أن إضرام النار في القنصلية الإيرانية في مدينة النجف العراقية، وفي قنصليات أخرى في مدن عراقية متفرقة، من بينها قنصلية كربلاء، وبأيدي عراقيين غاضبين، لا يمكن أن يكون احتجاجاً على مستويات متدنية من الحياة وفقط، ولكنه رفض معلن للوجود الإيراني غير المشروع في العراق. وحتى إذا كان إضرام النار في هذه القنصليات احتجاجاً على مستويات غير آدمية تعيشها الغالبية من العراقيين، فلأن لدى هذه الغالبية يقيناً في أن تدني مستويات الحياة إلى هذا الحد، إنما يرجع في أساسه إلى تداعيات الوجود الإيراني في العراق.

والذين طالعوا مقتطفات من رسالة حررها شباب عراقي في ساحة التحرير، ثم توجهوا بها من خلال بيان إلى الشعب الإيراني في عمومه، لا بد أنهم قد قرأوا هذا المعنى في كل كلمة من كلمات البيان المنشور. فالبيان يقول إنه لا مشكلة بين الشعب العراقي وبين الشعب الإيراني، وإن الأول لا يحمل للثاني سوى كل الود، وإن المشكلة هي مع حكومة المرشد خامنئي التي تحمي الفاسدين في بغداد، وتتستر على جرائم ارتكبوها ضد المال العام، ولا يرمش لها جفن وهي ترى عواقب ما ارتكبوه ضد البلد وضد كل مواطنيه.

وما قاله ويقوله الشباب العراقي في ساحة التحرير، قاله ويقوله الشباب اللبناني في ساحة النجمة، وفي كل ساحة غيرها على امتداد لبنان من جنوبه إلى شماله، ضد أن يكون «حزب الله» فوق الدولة، بدلاً من أن يكون حزباً شأنه شأن أي حزب سياسي آخر، يعرف القانون ويلتزم الدستور.

وقبل أيام كانت شابة لبنانية تحتشد مع رفيقات لها في الشارع، وكانت ترفع لافتة تقول: يريدونها طائفية ونريدها مدنية. وكانت هذه الكلمات الأربع تلخص في عبارة واحدة، ما لا تريد إيران أن تفهمه وتستوعبه في العراق مرة… وفي لبنان مرة ثانية.

ولن يمر وقت طويل قبل أن يخرج اليمنيون على الصورة نفسها التي خرج عليها العراقيون واللبنانيون، رفضاً لهذه الهيمنة المرفوضة من جانب الجماعة الحوثية على مقدرات اليمنيين. فلا شيء في اليمن يمنح جماعة الحوثي حق الاستيلاء على مقاليد الحكم، ولا شيء يعطيها المبرر لتكون فوق الدولة، ولا شيء يسمح لها بحق الانقلاب على حكومة شرعية تمثل اليمنيين كلهم، ولا تمثل تياراً واحداً فيهم كما هو الحال مع الحوثيين.

ولو قرأ مسؤول إيراني عاقل كل هذه المعاني، التي يمتلئ بها الأفق في الدول الثلاث، لكان قد نصح حكومته بأن هذا السلوك الإيراني في المنطقة هو سلوك عدواني بامتياز، لأنه يتم على رغم إرادة الشعوب في البلدان الثلاثة، وهو سلوك لن يجدي في النهاية في شيء، ولن يقود إلى شيء، سوى استنزاف مال دافع الضرائب الإيراني في لا شيء على المدى الطويل.

ولم تختلف حكومة رجب طيب إردوغان، وهي توقّع اتفاقيتين للتعاون مع حكومة فائز السراج في العاصمة الليبية طرابلس، عن حكومة المرشد وهي تحاول أن توقّع اتفاقيات مشابهة مع الحكومة السورية في دمشق، وتتصور أن ذلك سوف يمنحها شرعية وجود في أرض الشام.

تتصور حكومة إردوغان أن اتفاقها مع حكومة السراج، على التعاون أمنياً وعسكرياً وبحرياً، سوف يعيدها إلى ما تراه مناطق نفوذ تاريخي غابر. إنها تنسى أن نفوذها هناك كان نفوذاً لسلطة احتلال، وبالتالي فهو نفوذ صار تاريخاً، ولم يكن من الممكن إلا أن يصير كذلك، ثم صار وهذا هو الأهم موضع احتقار في داخل كل ليبي، ولا يمكن لليبي طبيعي واحد أن يقبل بوجود تركي مرة أخرى على أرض بلاده، أياً كان المسمى الذي يتخفى فيه.

هذا على المستوى الشعبي في ليبيا، أما على المستوى القانوني فليس في إمكان حكومة السراج تمرير اتفاقها مع حكومة إردوغان، إلا بعد اعتماد البرلمان الليبي المنتخب لهذا الاتفاق، ولأي اتفاق سواه مع أي حكومة، وقد أعلن البرلمان رفضه المطلق للاتفاق، وقال صراحة في بيان منشور، إنه اتفاق لا يستند إلى أي قانون، وإنه اتفاق ينتهك مبادئ قانون البحار الأساسية في جانبه البحري، وأنه اتفاق لا يرتب أي حقوق لإردوغان على أرض ليبيا، ولا على شواطئها، ولا في مياهها الإقليمية.

ومن قبل كان الرئيس التركي نفسه قد زار الخرطوم، في أيام نظام عمر البشير الساقط، وكان قد اصطحب معه عدداً ضخماً من رجال الأعمال، وكان قد عقد اتفاقاً لاستغلال ميناء سواكن على البحر الأحمر، وكان سلوكه في خلق هذا النوع من الوجود المريب، على الحدود المصرية في الجنوب وبالقرب منها، قريب الشبه جداً بالوجود الإيراني على الحدود السعودية وبالقرب منها.

ومن قبل أيضاً كان لا يتوقف عن التسلل إلى قطاع غزة في الشرق، وكان يخفي تعاونه الكبير مع الإسرائيليين على أكثر من مستوى، بقناع زائف من التعاطف مع الفلسطينيين في القطاع، وكان في الحالات الثلاث، حالة ليبيا والسودان وغزة، يكاد يكون صورة من الحالة الإيرانية في العراق، وفي لبنان، وفي اليمن، وفي سوريا.

هذه حالات إيرانية وتركية لن تقف عند حدها، إلا بحالة في المقابل من الوعي لدى كل مصري وسعودي، بحقيقة ما يحيط ببلده، ثم بعالمه العربي الأكبر في دائرته الأوسع، فالمعركة معركة وعي آحاد الناس في الأساس.

ولن يختلف الحال إذا ما دقق كل مواطن عربي آخر، في ملامح الصورة على حدود بلاده، أياً كان موقعها على الخريطة العربية، فالأطماع هذه الأيام تبدو في المنطقة بكاملها، أكثر منها أطماعاً في بلد من بلادها هنا أو هناك.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com