شركاء لا أعداء

تقول مجلة "جيو" الفرنسية إن فيتنام قررت الاقتداء بتجربة الصين. بقي الحزب الشيوعي في السلطة، لكن زعماءه تحوَّلوا إلى رجال إدارة وأعمال.

سمير عطا الله

كانت مدينة سايغون عاصمة لفيتنام الجنوبية ومقرًا للقيادة العسكرية الأميركية. وعندما انتهت الحرب العام 1975 بانتصار جبهة الفيتكونغ الشيوعية، تم ضم الجنوب إلى الشمال وسميت سايغون «مدينة هوشيه منه» مؤسس الحزب الشيوعي وبطل الانتصار على الفرنسيين، ثم الأميركيين، فيما كان يسمّى في الماضي «الهند الصينية».

أدّت الحرب ما بين 1955 و1975 إلى مقتل مليوني شخص في أكثر التقديرات تحفظًا. أكثرهم، بالطبع، من المدنيين. أقرأ الآن أن مدينة هوشي منه، سايغون، تضم 8 ملايين نسمة، وترتدي نساؤها آخر موضة قادمة من باريس، وتزدهر كمركز اقتصادي ومالي حتى تكاد تنافس سنغافورة أو بانكوك.

تقول مجلة «جيو» الفرنسية إن فيتنام قررت الاقتداء بتجربة الصين. بقي الحزب الشيوعي في السلطة، لكن زعماءه تحوَّلوا إلى رجال إدارة وأعمال. التجارة تنشط، والأميركيون الذين كانوا يأتون في طائرات الفانتوم يأتون اليوم سياحًا بالآلاف. وأول سفير بعد عودة العلاقات كان طيارًا حربيًا سابقًا تزوج من فيتنامية. العام 1986 قررت السلطة «سياسة الانفتاح»، والعام 1994 رفعت أميركا العقوبات عن العدو السابق وبدأت شركاتها العملاقة في الانتقال إلى سايغون السابقة، فصار أهل هانوي، عاصمة الشمال، يُهاجرون هم أيضًا إليها. أما الشركات الفرنسية فاختارت 75 في المائة منها المدينة أيضًا. المدينة التي هزم فيها الشيوعيون الرأسمالية، تقوم فيها الآن ناطحات السحاب والأسواق التجارية العملاقة. وتكتظ شوارعها بسيارات الدفع الرباعي ونحو 6 ملايين دراجة نارية. لكن الفروقات لا تزال واسعة. ففي حين يبلغ الدخل الشهري نحو 120 دولارًا في الشهر، يبلغ ثمن المتر المربع في المباني الحديثة نحو 4500 دولار. ومثل مدن آسيا الكبرى تحيط بها قرى الصفيح والفقر.

جميع أسماء المدن والأماكن التي كنّا نقرأ عن قصفها كل يوم أصبحت الآن مراكز سياحية باهرة الجمال. والفيتناميون الذين انتصروا على الأميركيين بالقتال في الأنفاق، تساعدهم قاماتهم القصيرة ونحولهم، يهاجرون الآن إلى أميركا عمالًا وتجارًا. وما تزال الحكومة الأميركية تبحث في الفيتنام عن «المفقودين، أو رفاتهم».

فيتنام هي المصدِّر الثاني إلى الولايات المتحدة (بعد الصين) من الألبسة والأحذية والأثاث والأدوات الكهربائية. ومن كان في مجايلتي، يذكر أن إذاعة الصين الشعبية كانت يوميًا تهدد «النمر الأميركي الذي من ورق» بالإمحاء. وكانت سند فيتنام الشمالية الأول في مواجهة الأميركيين. وعندما ذهبت إلى نيويورك أول مرة العام 1973. كنت في سيارة تاكسي عندما رأى السائق مجموعة من اليابانيين، فنظر إلي في المرآة قائلًا: «هؤلاء الملاعين، بالأمس كنت أقاتلهم، والآن أنقلهم في سيارتي عبر نيويورك».

في الخمسينات والستينات، وحتى السبعينات، كانت كل الأفلام الأميركية تدور حول المعارك مع الألمان واليابانيين، وقد أصبحت اليابان أهم حليفة لأميركا في آسيا، وألمانيا أهم حليفة لها في أوروبا. والآن، الفيتنام هي الشريك التجاري السابع والعشرون.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com