سد النهضة والأمن المائي العربي – إرم نيوز‬‎

سد النهضة والأمن المائي العربي

سد النهضة والأمن المائي العربي

جلال عارف

الأربعاء المقبل يلتقي وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا في واشنطن تلبية للدعوة الأمريكية من أجل تسهيل التفاوض وحسم الخلافات بين الدول الثلاث بشأن سد النهضة، ويأتي اللقاء في توقيت حاسم، وبعد أن وصل التفاوض إلى طريق مسدود، ومع الانتهاء من بناء حوالي 70% من جسم السد، وإعلان إثيوبيا عن اقتراب موعد البدء في احتجاز مياه النيل لملء السد، وإعلان مصر -على الجانب الآخر -أن مياه النيل بالنسبة لها قضية حياة ووجود، وأن محاولات فرض الأمر الواقع لا يمكن تمريرها.

الوساطة الأمريكية مهمة لأنها تعني وضع إعلان المبادئ الذي تم توقيعه قبل أربع سنوات بين الدول الثلاث موضع التنفيذ، وتفعيل المادة العاشرة منه التي تنص على أنه إذا استعصى على الدول الثلاث «مصر والسودان وإثيوبيا» حل الخلافات حول هذه القضية بشكل مباشر تعين الاستعانة بوسيط، وهذه الوساطة مهمة أيضا لسابق الخبرة الأمريكية في النزاعات حول المياه، ولسابق الاهتمام الأمريكي بفكرة بناء السدود على النيل منذ ستينيات القرن الماضي.

ويعزز من أهمية الاجتماع حضور البنك الدولي له، وقد سبق لمصر أن اقترحت وساطته قبل سنوات ورفضت إثيوبيا، مع أن خبرة البنك مطلوبة للتعامل مع قضايا أساسية بدءاً من التأكد من سلامة السد ووضع قواعد التشغيل وحتى تطبيق القواعد القانونية الدولية بهذا الشأن.

ينبغي الإشارة إلى تطور مهم حدث مع المرحلة الأخيرة في هذه الأزمة، حيث وضعت مصر «في خطوة تأخرت سنوات» قضية السد أمام الجامعة العربية، وكان قرار وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير المؤيد لحقوق دولتي المصب في مياه النيل مدخلاً لوضع قضية الأمن المائي العربي على جدول الجامعة العربية حتى لا تتكرر مأساة السرقة التركية لمياه دجلة والفرات التي حرمت القطرين العربيين مما يقارب من نصف حقوقهما المائية.

وفي هذا الاتجاه كان موقف البرلمان العربي في اجتماعه قبل بضعة أيام، ودعوته إثيوبيا للتوصل إلى اتفاق عادل يحقق مصالح الجميع ولا يضر بحصة مصر في مياه النيل التي تمثل عصب الحياة لشعب مصر، وفي هذا الاتجاه أيضا كانت هناك – ومازالت – جهود من حكومات عربية شقيقة تدرك أهمية التوصل للتوافق المطلوب وتعمل بكل الطرق من أجل ذلك.

ومع أهمية الوساطة الأمريكية وما قد يتبعها من إجراءات على المستوى الدولي، يبقى الموقف العربي مهماً وأساسياً لدعم المطالب المصرية والسودانية العادلة، ولتأسيس استراتيجية مطلوبة لضمان الأمن المائي العربي، ما حدث في دجلة والفرات ينبغي ألا يتكرر، وما يحدث في قضية مياه النيل وأزمة سد النهضة لابد أن يفتح عيون كل العرب على مخاطر نزاعات المياه في السنوات المقبلة.

ولا شك أن الطريق مفتوح لحل أزمة سد النهضة إذا خلصت النوايا، فمصر من ناحيتها لم تعترض مطلقاً على حق إثيوبيا في التنمية وفي الحصول على الكهرباء التي تحتاجها، بل إنها عرضت المساهمة في كل ذلك، وإذا كانت إثيوبيا قد استغلت سنوات الاضطراب في مصر لتبدأ بناء السد وتضاعف من طاقته دون التوافق مع مصر، كما تقضي قواعد القانون الدولي، فإن مصر أبدت – رغم ذلك – عن حسن النية، لكن ذلك لا يعني التغاضي عن الحق في التأكد من سلامة بناء السد، خاصة أنه قد تم تشييده فوق منطقة صخرية خطرة، ولا يعني أيضا القبول بتشغيل السد دون توافق على قواعد ملء الخزان والتشغيل ولا يعني الانتقاص من حصة مصر والسودان من مياه النيل الأزرق، أو التفكير في إمكانية القبول بأي شكل من الأشكال تبوير مليون فدان من أراضيهما الزراعية أو توقف السد العالي عن إنتاج الكهرباء.

والأخطر من كل ذلك أن مصر لن تقبل أن يتحول النيل الأزرق من نهر دولي تتشارك فيه الدول الثلاث ويخضع للقوانين والاتفاقيات الدولية إلى نهر إثيوبي بحكم الأمر الواقع الذي تريد أديس أبابا فرضه، ولا يمكن القبول بأن تطلق عملية إنشاء السدود على طول مجرى النيل دون الخضوع للقواعد المنظمة للأنهار المشتركة وآخرها اتفاقية الأمم المتحدة عام 1997، وإلا تحول الأمر إلى فوضى وصراعات لا تنتهي حول المياه.

لقاء الأربعاء في واشنطن يمثل فرصة جديدة لطي صفحات الخلافات والوصول إلى التوافق على الحل الذي يحقق مصالح كل الأطراف، لو خلصت النوايا واحتكم الجميع إلى الاتفاقات السابقة والقواعد الدولية للأنهار المشتركة.

ويبقى الأصل. أن يبقى النيل العظيم واحة للسلام والتعاون المشترك لخير شعوبه، بدلاً من أن يتحول إلى ساحة لنزاعات عقيمة لن يستفيد منها إلا الأعداء، وأن تسعى الدول العربية لامتلاك آلية فاعلة لضمان الأمن المائي باعتباره جزءاً أساسياً من الأمن القومي العربي.

البيان

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com