لبنان نحو تسوية لا تصل حد التغيير – إرم نيوز‬‎

لبنان نحو تسوية لا تصل حد التغيير

لبنان نحو تسوية لا تصل حد التغيير

تاج الدين عبد الحق

أكثر من سبب، يجعل توقع التغيير نتيجة المظاهرات الحالية في لبنان، أمرًا غير واقعي، حتى لا نقول غير ممكن.

فالمظاهرات،  رغم الأيام العديدة التي مضت على اندلاعها، ورغم التزايد الكبير في حجم الحشود التي تستقطبها، ورغم الإجماع الشعبي حول العديد من المطالب المشتركة والمحقة، التي رفعها المتظاهرون، لم تكن قادرة على إفراز قيادات بديلة عن تلك التي تطالب المظاهرات بإسقاطها، والاقتصاص منها .

من يطالبون اليوم، بإسقاط النظام الطائفي في لبنان، يرفعون رغم نواياهم الحسنة شعارًا رومانسيًا لا أكثر.

فالمحاصصة الطائفية التي حكمت لبنان منذ الاستقلال، وقيام الدولة الحديثة،  تبدو في ظل الواقع السياسي الحالي أقرب للمعادلة القدرية التي لا تستطيع قوى الشارع الإفلات منها أو تجاوزها، وهي لا تزال حتى في ظل الحراك الحالي وما يرفع فيه من شعارات، المعادلة السياسية الوحيدة الممكنة رغم الحروب الأهلية العاتية، التي مر بها لبنان ورغم المماحكات المستمرة بين زعاماته السياسية، وقياداته الطائفية.

صحيح أن الرموزالسياسية،  والقيادات الطائفية، تبدلت وتغيرت، لكن الجديد منها ظل محكومًا بالقديم، وظل القديم قادرًا على توريث الجديد، ورفده بقيادات شابة تحمل نفس الطروحات ونفس الطموحات، والأفكار.

 الحرب الأهلية الطويلة التي عاشها لبنان، والأزمات الطاحنة التي نتجت عنها لم تنجح في جمع اللبنانيين على صيغة جديدة للتعايش، تمنع الحرب من جديد وتؤسس لدولة حديثة تلبي طموحات اللبنانيين وتستجيب لتطلعاتهم، بقيام دولة مدنية أساسها التعايش بين الطوائف والإدارة الحسنة للموارد.

 ظل التغير في الأنظمة والتشريعات التي تحكم العملية السياسية مرتبطًا باستمرار بمعادلة الاستقلال الأولى،   التي وزعت السلطة بين طوائف لبنان، وحددت حدود كل طائفة،  وحصة كل قوة من القوى التي تتحكم في كل جزء منها، دون الالتفات لمصحلة الدولة، وحقوق المواطنة.

في كل الأزمات السياسية التي واجهت لبنان، كانت الحلول لا تتجاوز الطوائف، حتى لو تجاوزت –أحيانًا — الزعامات.

فعادت الطوائف القديمة، بقيادات جديدة ورجعت الطائفية القديمة بحلة جديدة وعناوين مختلفة، وتوارت الزعامات الإقطاعية التقليدية التي ورثت دولة الاستقلال من عهد الاستعمار، لتحل محلها زعامات ميليشياوية عسكرية كانت جزءًا من الحروب الأهلية أو سببًا فيها.

في المظاهرات الحالية، يرفع المتظاهرون سقف مطالبهم عندما يطالبون بإسقاط النظام، وهم هنا لا يكتفون بالمطالبة، بإسقاط الحكومة، بل العهد ومجلس النواب، والنظام الطائفي برمته.

لكن ذلك ليس هينًا، وقد لا يكون ممكنًا أو واقعيًا، إذ لا يوجد ما يشير إلى أن قوى الشارع لديها برامج عمل فعلية وواقعية، تتواءم مع الشعارات الحماسية التي يرفعها المتظاهرون، فضلاً عن أنها غير قادرة بحكم تركيبتها العفوية، على فرز زعامات وقيادات سياسية بديلة لتلك التي تتسيد المشهد اللبناني الآن وتدير مؤسساته التنفيذية والتشريعية والبرلمانية.

كل ما يمكن أن ننتظره من الحراك الجاري في الشارع اليوم هوأحد أمرين:

– تلبية بعض المطالب التي يمكن أن تخفف من الاحتقان الحالي الذي يعيشه اللبنانيون، والتي يمكن أن ترضي جموعهم الثائرة وتسكت جموحهم نحو التغيير.

– أو الإصرارعلى التمسك بالمطالب المستحيلة وهي إسقاط النظام، وهو ما يعني الذهاب إلى الفراغ، الذي يفاقم الأزمات بدل أن يحلها.

أغلب الظن أننا أقرب للتسوية، من خيار الفراغ. وتمسك القوى السياسية،– وخاصة حزب الله–  بالبقاء في الحكومة، هو تعبير عن الخوف مما قد يجره عليها الفراغ، وما يمكن أن ينتج عنه، لا على صعيد الدولة والوطن،  بل على صعيد الحزب أيضًا.

و لذلك فإن تلك القوى، التي تتمسك بالمحاصصة،  لم تكتف بالتحذيرمن الانسياق وراء مطالب الشارع بإسقاط الحكومة، بل إنها  تبدو مستعدة للوصول إلى حلول وسط، وتسويات مع خصومها مقابل الاحتفاظ بدورها كلاعب وشريك في السلطة، خاصة في هذه المرحلة التي أصبحت فيها العزلة الداخلية سببًا في استدعاء عزلة دولية، أو في تفاقمها.

أزمة اللبنانيين ليست في ضيق المعيشة، وفساد المسؤولين، بل في النظام الطائفي الجاثم على صدورهم منذ عقود، وهذا النظام، أعقد من أن تطيح به مظاهرة أو قوى مدنية أو حراك شعبي، مهما بلغ مداه.

 فهذا النظام لم يعد يستقوى فقط بالإرث التاريخي والتقليدي لزعاماته، بل أضيف له نفوذ المال الذي نمته تربة الفساد، وقوة السلاح المؤيد بقوى خارجية، وبأجندات إقليمية مدته بالدعم المادي والسياسي.

ولعلنا نذكرهنا،  المظاهرات التي شهدها لبنان قبيل الانتخابات الرئاسية والنيابية الأخيرة، والتي حملت ذات الشعارات، ورفعت نفس اللافتات، واستهدفت نفس الزعامات ، لكنها لم تستطع حينئذ، وعند الاستحقاق الانتخابي، الذي جاء بعد أشهر من تلك المظاهرات  تجاوز المخرج الوحيد الممكن، وهو تجميل نظام المحاصصة وإعادة إنتاجه بحلة مختلفة، بنفس الطاقم، وبنفس الصيغ،  وذات البرامج التي ضمنت بقاء النظام الطائفي، بل وزودته بالمناعة التي تحصنه أمام مطالب التغيير .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com