مؤشرات العملية التركية شرق الفرات

مؤشرات العملية التركية شرق الفرات

عدلي صادق

ترتسم الكثير من المؤشرات التي تستوجب التأمل، من خلال التطور الحاصل في شرق نهر الفرات، شمالي غرب سوريا. فقد أصبحت اللعبة التركية الأردوغانية الأميركية تجري في العلن وعلى المكشوف، انسجاما وتنافرا.

وفي موازاة هذه اللعبة، تظهر جلية حقيقة موقف أنقرة، حيال سوريا والسوريين، إذ يتبدى رجب طيب أردوغان، أولا، وقد استنفد أغراضه من استيعاب اللاجئين السوريين، وبات يفتش للحزانى المألومين عن حاضنة داخل جغرافيا بلادهم، علما بأن البُعد النفسي والاجتماعي في معاناة كل لاجئ سوري، موصول بمسألة العودة الآمنة إلى مسقط رأسه، حيث منزله وأهله وذكرياته وقبور أحبابه. فلا فرق عنده بين الإقامة في شرق الفرات في شمالي غرب سوريا أو الإقامة في جزيرة يونانية. فكلها عنده أراض لجأ إليها هربا من النيران. ربما يكون الفارق الوحيد أن إقامته مؤقتة في جزيرة يونانية، طالما أن أردوغان نفسه تفاهم مع الروس على السماح له بإبعاد الوحدات الكردية أو تصفيتها، على أن يكون النظام السوري هو المستفيد في النهاية، لأن شرط السماح له بذلك هو تعهده للروس بالانسحاب من الأراضي السورية، بعد إنجاز مهمته وطرد الأكراد أو إبادتهم. هنا تأخذ الحقيقة مداها الأقصى، ليصبح من المسلّمات أن التدخل التركي في سوريا لم يكن لسواد عيون السوريين، أو من أجل حريتهم ومن أجل العدالة، وإنما كان ولا يزال يتعلق حصرا بالإجهاز على المتمردين الأكراد والاستحواذ على سوريا لو استطاع!

لابد أن يكون الروس الآن، في أسعد لحظاتهم، لأن إدارة دونالد ترامب، التي تحالفت مع الأكراد وتمثلت دور حمايتهم، تخلت عنهم تماما، على كُره من البنتاغون. ومن المؤشرات اللافتة الجديرة بالتأمل أن أردوغان بات يشكو البنتاغون الذي لم يطع الرئيس ترامب وينسحب فورا. وهذا يعيدنا إلى موضوعات عدة، من بينها المسألة الفلسطينية، التي فعل ترامب كل ما يستطيع للإجهاز عليها وطعن أمنيات الشعب الفلسطيني.

كأننا في مهرجان خيانة. ترامب يخون الأكراد فيتذمر البنتاغون من الخيانة ويتباطأ في الانسحاب. والأكراد، للأسف، لا يتعلمون. فها هم أمام حقيقة صادمة، قوامها أن أقصى ما قالته وزارة الدفاع الأميركية هو التعبير عن حيادها وعن النأي بالنفس بخصوص العملية العسكرية التركية، التي يمكن أن تبيدهم. وجاء في تصريح أخير لها أن “الولايات المتحدة لا تؤيد العملية التركية المرتقبة في شمال سوريا، ولن يدعمها الجيش الأميركي بأي شكل من الأشكال، لتنأى واشنطن بنفسها عن عملية تهدد المقاتلين الأكراد السوريين الذين تدعمهم”. والكلام هنا يجيب عن سؤال لم يسأله الأكراد أصلا وهو؛هل ستدعم القوات الأميركية عملية القوات التركية؟ وكان الجواب الضمني لا. لكن ترامب، صاحب المبادرة إلى التخلي عن الأكراد، لم يجد أمامه للتنفيس عن غضبه من أردوغان سوى التهديد بتدمير الاقتصاد التركي، أي التهديد بمنطق المال الذي يعرفه.

روسيا كذلك تخون سوريا بالتفاهم مع الأتراك لكي يتوغلوا في أراضيها، مثلما حدث في عفرين. فالتفاهمات تتقاطع بينما الأجندات تتصادم. وموسكو تتشفى في الأكراد الذين تحالفوا مع الأميركيين، وتلوّح لهم بالعصا والجزرة؛ إما أن يبيدكم الأتراك أو أن تفتحوا الطريق لقوات النظام السوري لكي تدخل إلى مناطق وحداتكم بموجب تسوية تتوصلون إليها معه، وتنسوا حكاية “سوريا الديمقراطية”!

في هذه الأثناء يفضل الروس الاستمرار في سياقهم وتنفيذ أجندتهم دون متاعب. فقد صرح المتحدث الإعلامي باسم الرئيس فلاديمير بوتين أن “الأفضل بالنسبة إلى الأتراك أن يمتنعوا عن أي عمل من شأنه خلق عقبات على طريق التسوية الروسية”.

ومع انكشاف حقيقة المواقف يمكن للمتابعين أن يعودوا إلى بدايات التكاذب. فأردوغان يتقمص شخصية الحاني المتعاطف مع الانتفاضة السورية ذات المضامين الاجتماعية والسياسية والديمقراطية، ويضخ في الوقت نفسه عتاة الإرهابيين إلى سوريا، ويخون الأمنيات الشعبية السورية، بجلب أعتى المستبدين المتفوقين على النظام في البطش. ثم ينقلب هؤلاء على أردوغان، ومن يتبقى منهم على مقربة من أظافره، يمتثل له وينضوي في معسكره على الحدود. ويفتح بوابات تركيا للاجئين الأكراد، ثم بعد سنوات يضيق ذرعا بهم ويريدهم أن يتوطنوا شرقي الفرات بعيدا عن مناطقهم وفي مرمى النيران، تحت عنوان العودة إلى بلادهم، وليس إلى مدنهم وقراهم وأراضيهم وما تبقى من بيوتهم. ولكي تستكمل الغواية مفاعيلها تتسلط الأجهزة التركية على اللاجئين السوريين في بلادها، وتبدأ فجأة حملة للتضييق عليهم. في هذه الأثناء، جرى الحديث عن احتمالات أن تبادر الوحدات الكردية إلى اقتراف خيانة جوابية، تنال من الأميركيين والأتراك والنظام السوري بضربة واحدة. فالأميركيون عندما علموا بأن القوات التركية ذاهبة إلى عمليتها العسكرية تعجلوا في القول إنهم يعهدون لأنقرة مهمة التكفل بمعتقلي “داعش”، الذين اعتقلتهم القوات الأميركية أثناء الحرب على داعش وأودعتهم سجون وحدات “سوريا الديمقراطية”. وكأن ترامب يقول بالتعبير الدارج “ليعد العجل إلى بطن أمه”.

ولم يسارع الأتراك إلى طرح رأيهم في هكذا مهمة مفاجئة لم يرسموا لها سيناريو التدابير. ويتوقع الأتراك، منطقيا، أن تلجأ القوات الكردية إلى إطلاق سراح الدواعش انتقاما من الجميع، مع حثهم على القتال معها. وقد ألمح الناطق باسم الوحدات الكردية إلى هذا الخيار قائلا “إن عملية تركيا العسكرية، سيكون لها الأثر السلبي الكبير على حربنا ضد داعش، وستدمر كل الإنجازات التي تحققت من خلال هذه الحرب وستعصف بالاستقرار في المنطقة ويظهر الدواعش من جديد”. وعلى الفور تحسس أردوغان خطر التلويح الكردي، فقال إنه سيدرس ماهية الخطوات اللازمة لضمان عدم فرار عناصر داعش من السجون في منطقة شرق الفرات.

وكان الرئيس الأميركي قد أشار إلى أن عدد سجناء داعش في شرق الفرات يبلغ 1800 عنصر. وهؤلاء في حال فرارهم، مقاتلون مدربون أشداء، يمكن في حال انضمامهم إلى الوحدات الكردية أن يجعلوا الثمن الذي تدفعه القوات التركية باهظا، الأمر الذي من شأنه المساعدة في تأجيج السجال الداخلي حول سياسات أردوغان في تركيا نفسها. وربما تلجأ القوات التركية، لكي تتحاشى خطر فرار سجناء داعش، إلى الإبادة بالقصف الجوي لمراكز اعتقال السجناء الدواعش، على الرغم من كون نسبة كبيرة منهم تحمل جنسيات أوروبية.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com