الحرب ضد «أكتوبر» مازالت مستمرة!

الحرب ضد «أكتوبر» مازالت مستمرة!

جلال عارف

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز، وتخرج من الحرب والعالم يتحدث عن قوة عالمية جديدة يمكن أن تأخذ مكانها بين الكبار!!لم تكن مصر وسوريا وحدهما في ساحة القتال، كانت دول عربية عديدة في مقدمتها العراق والجزائر والمغرب وليبيا تساهم بالجنود والسلاح، ولم يكن العرب يخوضون المعركة في ساحات القتال فقط، وإنما كان البترول العربي شريكاً فاعلاً في القتال وفي النصر، وكان ما أعلنه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، يومها من أن «البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي» يتحول إلى فعل على الأرض، وكانت شراكة السلاح والنفط تعلن عن القوة العربية في أفضل صورها.

ولا شك أن ما تعرضت له الأمة -منذ أكتوبر العظيم وحتى الآن -من مؤامرات كان فاعلاً في تراجع الحلم العربي، وفي الوصول بالوضع العربي إلى حالته الراهنة، على مدى سنوات ما بعد الانتصار العربي لم تتوقف الحرب على أكتوبر وما مثلته في الضمير العربي من قدرة على النصر، واستعداد للتفوق، وفرصة لاحتلال المكانة اللائقة بين دول العالم المتقدمة.

لقد تم استخدام كل الأسلحة في الحرب ضد أكتوبر، من الحروب الاقتصادية إلى مساندة الاستبداد وزرع الفساد، ومن إغراق العرب في محاور تتصارع إلى إغراقهم في فوضى زعموا أنها «خلاقة»، ومن استغلال لأطماع نظم أو أخطاء قيادات إلى تدمير منظم لقوى عربية كبيرة ومؤثرة، ومع ذلك يبقى الأكثر إيذاء لأمتنا ما تم -وما زال يتم -تحت مخطط «سنصنع لهم الإسلام الذي يناسبنا في أمريكا والغرب»!! وهو المخطط الذي وجد على الفور من يضع نفسه في خدمته، كان الإخوان جاهزين، وعلى الجانب الآخر. كان استيلاء الملالي على الحكم في إيران إيذاناً بمرحلة تغرق المنطقة في الصراع الديني، وتؤدي دورها في مخطط العداء للعرب بمحاولات مد النفوذ ونشر الميليشيات وفتح أبواب الفتنة الطائفية، والزهو برفع الأعلام السوداء على عواصم عربية مدمرة.. أو يتم الإعداد لتدميرها!!

هكذا سقط شريك الحرب سوريا في قبضة الفوضى والإرهاب والحروب بالوكالة التي دمرتها، وقبلها كان تدمير العراق بشراكة أمريكية – إيرانية حولت القطر العربي الشقيق بكل ثرواته البشرية والمادية إلى ساحة لصراعات مازالت بعد خمسة عشر عاما تواصل نشر الدمار، وقبل ذلك أيضا كانت الجزائر تمضي عشر سنوات في حرب ضد ميليشيات الإرهاب الإخواني، وكادت المأساة أن تكتمل حين سقطت مصر تحت حكم العصابة الإخوانية، وكاد كل شيء ينتهي مع اعتبار أن سقوط باقي الدول العربية مسألة وقت بعد أن سقطت قاعدة الأمان والاستقرار في القاهرة.

ما حدث بعد ذلك أنه في وسط الظلام كان هناك قبس من نور أكتوبر يضيء سماء مصر وهي تنتفض ضد حكم العصابة الإخوانية، كما انتفضت قبل ذلك ضد هزيمة يونيو حين خرجت الملايين تطلب الثأر ورفض الاستسلام وتسليم جيشها الأمانة التي تحملها بصدق وشرف حتى كان النصر العزيز في أكتوبر، خرجت مصر في يونيو الجديد بروح أكتوبر، أسقطت حرب الإخوان، وبدأت ومعها السعودية والإمارات مرحلة استعادة الدور العربي بعد طول غياب.

ويطل علينا أكتوبر هذا العام وسط تحديات هائلة، الخليج العربي يواجه العدوان الإيراني المستمر الذي يريد أن يجعل من اليمن الشقيق قاعدة نفوذه وأن يشعل المنطقة بالصراعات الداخلية التي يتصور أنها سبيله للتوسع وفرض السيطرة ورفع الأعلام السوداء في عواصم عربية أخرى متحالفاً مع عصابة الإخوان ومن يدعمونهم من دول تبيع صحيح الإسلام أو تتخلى عن عروبتها جرياً وراء أوهام أو سعياً لحماية حكام فقدوا الصلاحية!!

أما في مصر، فيأتي أكتوبر هذا العام بعد أكبر حملة تحريض ضد الدولة التي تحارب الإرهاب، وضد الشعب الذي أسقط المؤامرة وتخلص من الحكم الإخواني الفاشي، وضد جيش أكتوبر الذي انتصر لمصر مرة أخرى حين انحاز لإرادة الشعب فأنقذ مصر من قبضة الإخوان، وأنقذ باقي المنطقة العربية من مخطط الفوضى المدمرة.

كانت الحرب في أكتوبر قبل ما يقرب من نصف قرن تواجه فيها مصر العدو في ساحة واحدة، الآن تتسع الجبهة سيناء تشهد الحرب ضد الإرهاب الإخواني – الداعشي، والحدود الغربية مع ليبيا تشهد جبهة أخرى ومصدراً دائماً للخطر حتى تعود الدولة ويتم استئصال الإرهاب في ليبيا، وفي البحر المتوسط تمارس تركيا البلطجة في معركة حول الغاز في شرق المتوسط، بينما – على الناحية الأخرى – تلوح إشارات الخطر من تواجد تركي أو إيراني في مداخل البحر الأحمر، ثم يبقى – فوق ذلك كله – معركة الحياة أو الموت حول تأمين مياه النيل والأزمة مع إثيوبيا حول سد النهضة التي أكد الرئيس السيسي أن عملية تشغيله لا يمكن أن تتم بفرض الأمر الواقع، وإنما باتفاق يحفظ الحقوق ويحقق مصالح كل الأطراف.

كل ما نواجهه يؤكد أن الحرب ضد أكتوبر لم تنته، وأن العداء له لم يتوقف، وأن استعادتنا الطريق الذي أوصلنا إلى أكتوبر قبل ما يقرب من نصف قرن، هي نفس الطريق التي تخلق أكثر من «أكتوبر»، وتضعنا مرة أخرى مع حلم النهوض العربي بعد طول غياب.

البيان

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com