دولة المؤسسات.. وسياسة ترامب – إرم نيوز‬‎

دولة المؤسسات.. وسياسة ترامب

دولة المؤسسات.. وسياسة ترامب

محمد خلفان الصوافي

الملاحظة التي يمكن تسجيلها أن تغييراً أو تخبطاً، بالأصح، حدث في السياسة الخارجية الأمريكية، التي يؤثر فيها الرئيس بشكل كبير، فالمواقف الواضحة تجاه مثيري الفوضى والأزمات بما يهدد مصالح القوى العظمى في العالم.

والتي عرفت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، واستمرت بشكل أوضح بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة لم تعد كما عهدناها وكما عرفها الناس من حيث الهيبة السياسية، بل إنها اليوم تعاني حالة من الانفلات والسيولة التنظيمية في إلزام كل من يحاول المساس بالنظام الدولي وأحياناً بها.

في مقابل ذلك، نلاحظ أيضاً عدم الاستقرار في الفريق السياسي للرئيس الأمريكي رغم أنه هو الذي شكله، بطريقة تبدو أن مسألة الثبات في التوجه السياسي أمر غير مستمر، وهو دليل على أن التفاهم والاتفاق بين أعضاء الإدارة الأمريكية الذي يفترض أنه متناسق لم نعد نعيشه الآن، بل إن معدل التغيير أصبح سريعاً، ما يجعل الكل يعيش حالة من الارتباك في القرارات وبناء المواقف.

يرجع البعض السبب إلى طريقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسياسة الخارجية، وإلى عدم إدراكه لأهمية القضايا التي تؤثر على الاستراتيجية الأمريكية ودورها في الساحة الدولية، ويرجعها الآخرون إلى طبيعة السياسة التي تقوم على تغير المصالح وليس الصداقة الدائمة، وفي هذه النقطة خاصة أن الاستراتيجية الأمريكية لم تعد مهتمة بالمنطقة بقدر أنها تهتم بالصراع في مناطق أخرى من العالم والتنافس على النفوذ الدولي، شرق آسيا حيث الصين تتضخم هناك.

صحيح تحدث التغيرات في سياسات الإدارات الأمريكية وصحيح أيضاً أنها تتخذ أشكالاً مختلفة أبرزها كانت مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما الذي وقع الاتفاقية النووية مع إيران وكان سبباً في فتح المجال أمام التمدد الإيراني في المنطقة، لكن ما يميز أوباما أنه كان واضحاً وشفافاً في مواقفه إلى درجة «الفضيحة»، في حين أن الرئيس الحالي يقود حملة إعلامية ضد دولة معينة إلى درجة تعتقد أن الحرب قادمة لا محالة وأنها ربما تحدث غداً، ولكن سريعاً ما يتراجع عن مواقفه دون أي تنسيق مع المؤسسات التقليدية التي كنا نعتقد أنها لديها القدرة على إعادة التوازن لأي مغامرات أو تهور سياسي لأي رئيس.

المعروف أن أي سياسة لدولة كبرى، خاصة دولة بحجم الولايات المتحدة، التي قررت بعد الحرب العالمية الثانية أن تهتم بالحفاظ على الاستقرار والأمن الدولي منذ إعلان مبادئ الرئيس ويلسون الأربعة عشر، ومعروف أيضاً أن الجمهوريين أكثر اهتماماً بالسياسة الخارجية ويحققون إنجازاتهم في تنظيم العلاقات الدولية، على سبيل المثال بوش الأب تسبب في انهيار الاتحاد السوفييتي وعمل على تحرير الكويت،.

وبوش الابن قام بالقضاء على حركة طالبان وتنظيم «القاعدة» وإسقاط نظام صدام حسين، لكن إذا تابعنا ما يفعله ترامب حالياً سنجد أن هناك تراجعاً كبيراً للسياسة الأمريكية وصعود قوى أخرى بعضها إقليمية، ووصل الأمر بأن الحلفاء التقليديين لواشنطن لم يعودوا يثقون فيها.

السياسة الأمريكية لم تعد تشد انتباه المراقبين أو تبهر الرأي العام العالمي كما كانت، ليس لأنها فقدت المصداقية التي كانت تلزم بها نفسها في الحفاظ على النظام العالمي، بل إن العمل في عهد ترامب لم يعد وفق مفهوم دولة المؤسسات بل يطرأ عليه الأسلوب الاستعراضي والسخرية ما يدل على وجود خلل وظيفي، وعدم تماسك فريق الإدارة، والسبب في ذلك بالطبع يقع على أداء الرئيس الذي يفترض أن يكون مايسترو الفريق.

البيان

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com