انتخابات ينازع فيها اليمين الإسرائيلي نفسه

انتخابات ينازع فيها اليمين الإسرائيلي نفسه

عدلي صادق

للمرة الأولى، في تاريخ انتخابات “الكنيست” الإسرائيلية، يشتدّ وطيس النزاع بين مكونات معسكر اليمين المتطرف، فتنشأ ظاهرة التنافس بين أحزابه ومجموعاته، على استمالة بعضهم بعضاً، على حساب البعض الآخر للظفر بتحالفات، إذ ينشط المرشحون وعلى ألسنتهم في الدعاية وفي محاولات استقطاب آخرين، عبارة تقول إن التصويت لهذا الطرف من شأنه إفادة الطرف الآخر، ثم يجري الحديث الهجائي عن الطرف المقصود، والتحذير منه، بالتطرق إلى سلوكه ونواياه.

أما على صعيد الناخبين، فإن الحملات الحزبية المحمومة، زادتهم فتوراً بدل أن تستثير حماستهم. ويلاحظ المراقبون أن الانتخابات العامة التي ستجري في الأسبوع المقبل، ستلقى اللامبالاة وستكون نسبة الناخبين اللامبالين غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات الإسرائيلية، بحكم أن اليمين صاحب اليد الطولى في الاستثارة وفي تعويم أسباب الرهاب والتخوفات الأمنية؛ قد انقسم على نفسه.

استطلاعات الرأي، وهي في إسرائيل الأفضل استنتاجاً للحقائق في توقعاتها، مما عليه الحال في بلدان كبيرة؛ تؤشر إلى أن الانتخابات المقبلة، إما أنها ستنتهي بمأزق آخر، كمأزق انتخابات أبريل الماضي أو أعمق، بحيث لا يستطيع “الليكود” ولا “أزرق أبيض” تشكيل ائتلاف حكومي، وإما أن يحقق “الليكود” تقدماً طفيفاً يساعده على تشكيل حكومة تستند إلى قاعدة برلمانية ضيقة.

فقد أظهرت النتائج التي نشرها “معهد إسرائيل للديمقراطية” الأسبوع الماضي أن 39 بالمئة من الإسرائيليين كانوا أقل اهتمامًا بالانتخابات المقبلة مقارنة بالانتخابات التي جرت في الأول من أبريل الماضي، وأن 36 بالمئة منهم كانوا يتابعونها بالقدر نفسه الذي تحقق في أبريل، وأن 17 بالمئة سيهتمون بالمشاركة والتصويت بحماسة. وهذه -بالطبع- ليست توقعاتنا.

ونحن لن نكون أقرب إلى الدقة في استكناه أسبابها، من جدعون رهات كبير الباحثين في المعهد الإسرائيلي الدولي للتنمية، الذي أكد على أن جزءاً من أسباب الفتور واللامبالاة من جانب الناخبين، يتمثل في ظهور أحزاب جديدة أنشأها أصحابها بدوافع شخصية، ولا يتمتع مؤسسوها بدعم شعبي حقيقي، ولا تضم في أطرها العديد من الشخصيات الوازنة في المجتمع الإسرائيلي، وبالتالي هي أحزب عابرة، على الرغم من توفر كل منها على قاعدة من الناخبين الموالين والمقربين، الذين يمكن أن يؤمنوا عددا محدودا من المقاعد.

لكن ما يخصم من صدقية العديد من مؤسسي هذه الأحزاب والمجموعات، هو تلك الخفة الظاهرة عند التحول من تحالف إلى تحالف.

فالتفاعلات الحزبية والسياسية، والاندماجات والانفكاكات، داخل معسكر اليمين، تنتج تغيرات سريعة ومفاجئة في نتائجها، ما يعني أن الولاءات الجديدة هشة كالولاءات القديمة.

لذلك فإن الناخبين ينظرون إلى اللعبة الانتخابية الديمقراطية، باعتبارها مناورات، على مسمع من ملأ كبير، للحصول على وظائف. وهذا ما قاله صراحة المحلل السياسي الإسرائيلي المخضرم ميتشل باراك، “لم تعد هناك أيديولوجيا، وهذه هي حقيقة ما يجري، ومن شأنه التسبب في أضرار طويلة الأمد على حياة الناس السياسية والاجتماعية والاقتصادية. إن الجمهور الإسرائيلي، من جانبه، يرى في ذلك كله، افتقار للنزاهة”.

الإسرائيليون في داخل مجتمعهم عانوا طويلاً من نقص النزاهة. ولطالما أحبطتهم قضايا الفساد والتحرش التي نُسبت إلى أعلى مراتب المسؤولية منها ما نظرت فيها المحاكم وأصدرت أحكامها، ومنها ما هو موجود ويمكن أن تُفتح ملفاته.

بل إن الفساد، بات لاعبا أساسيا في التنافس الانتخابي المحموم، في سياق منازعة اليمين المتطرف نفسه ومن داخله. وهذا بحد ذاته، يمثل مأزقاً لبنيامين نتنياهو يريد الخلاص منه بالهروب إلى الأمام. أما المأزق في الإطار العام، فهو الذي يعزز القلق لدى قطاع عريض من الإسرائيليين، على مستقبل الدولة، وعلى مستقبل حياة الأجيال الجديدة التي تسعى إلى الظفر بأسباب العيش المريح. فالأسر التي يكبر أبناؤها ليست مطمئنة إلى إمكانية شراء شقق جديدة، لأن الرواتب تنخفض مقابل ارتفاع كلفة المعيشة، والسياسات المعتمدة لا تبشر بسلام طويل الأمد على جميع الجبهات.

العكس هو الصحيح، إذ أصبح شبح الحرب موجوداً حتى مع تراجع زخم القضية الفلسطينية في هذه المرحلة.

هكذا هم يرون، وهم لا يشعرون بالثقة في الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويعتبرونه آخر من يستطيع أن يجلب حلا سياسيا. والأنكى أن ضعف القيادة الفلسطينية يُلقي بظلاله ويعزز هذه المخاوف، لأن الأمور، آجلا أم عاجلا، ستفلت من أيدي القادة الفلسطينيين، الذين لم يشكلوا الأنموذج المقنع لشعبهم.

في واقع الأمر، كما يراه المحللون، هو أن معركة الانتخابات حامية بين أطرافها، لكن البرود هو السائد على صعيد الناخبين. فهناك أزمة ثقة يتحدث عنها المعنيون بالدراسات الاجتماعية والمسحية. وهؤلاء ينصحون زعماء اليمين الذي ينازع نفسه، بالتركيز على أجوبة عن بعض الأسئلة المهمة: كيف نحتفظ بالشباب؟ وكيف نشجع السكان على المشاركة في الانتخابات؟ وكيف نقنع كل مواطن أن لديه رأيا في مستقبل الدولة، وأن له حصة من مقدراتها، وأن في قناعاته ما يكفي لجعله يفخر بها؟

في المقاربة الموضوعية للإجابة عن هذه الأسئلة، نجزم أن الاستمرار في المفاخرة بالقوة العسكرية، لن يطمئن الجمهور الإسرائيلي، ولن تطمئنه الصناعات العسكرية ومبيعاتها، ولا الاختراقات الدبلوماسية التي يفاخر بها نتنياهو كلما تحدث عن نجاحات في الإقليم.

على الرغم من ذلك، إن الحملة من داخل اليمين الإسرائيلي، للإطاحة بنتنياهو وتأهيله للمثول أمام القضاء، لم تحقق حتى الآن فاعليتها الأكيدة. مثلما لم تعط الانتخابات المقبلة، أيّ إشارة تدل على احتمال حدوث تغيير في السياسة الإسرائيلية وفي طريقة أداء اليمين الغالب، في ملف الصراع والتعاطي مع تحديات التسوية.

فسواء شاء اليمين الإسرائيلي أو أبى، أو تصالح مع نفسه أو نازعها، أو فاز نتنياهو أو أطيح به، فإن إسرائيل، وفق جميع المقاربات ومخرجات مراكز البحوث فيها، تحتاج إلى عملية تغيير شاملة في عقلية الأوساط الحاكمة ومنهجيتها السياسية، لأن العناد الراهن، يرعب جمهورها، على اعتبار أن كل ما تحقق لإسرائيل من عوامل القوة والمساندة لن يُغني عن التسوية. نقول هذا من داخل حساباتهم هم أنفسهم، وللفلسطينيين حسابات أخرى!

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com