القواسم المشتركة بين انتخابات تونس واتفاق المصالحة السوداني

القواسم المشتركة بين انتخابات تونس واتفاق المصالحة السوداني

تاج الدين عبد الحق 

مع الانتخابات الرئاسية التونسية المنتظرة، ومع نجاح اتفاق المصالحة السوداني بين المجلس العسكري وقوى التغيير المدنية، تلوح أخيرًا، تباشير مناخ سياسي عربي جديد ”يتشكل“ من رحم خيبة الأمل التي أفرزتها حقبة ما اصطلح على تسميتها بـ“الربيع العربي“، و“يؤشر“ على بداية الخروج من النفق المظلم الذي عاشته، أو تعيشه العديد من الدول العربية.

اللافت في هذا التطور أن مؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية والحزبية في البلدين تأخذ الدور والمكان، الذي أقصيت منه، وأبعدت عنه قوى مماثلة في دول عربية أخرى، إما بسبب محاولات الدولة العميقة لاستعادة ما فقدته من سلطة، إبان حقبة الربيع القصير الذي عاشته تلك الدول، وإما بسبب اختطاف الجماعات الدينية وقوى التطرف فيها، للثورات التي جرت فيها إبان ذلك الربيع الدامي، لتحوله بجشعها السياسي أو أيديولوجيتها الضيقة، إلى ميدان تتناحر فيه تلك الجماعات، إما طمَعًا بالسلطة، ورغبة في الاستئثار  بالمكاسب والمناصب، وإما لتصفية الحسابات المعلقة بينها، والأحقاد المتوارثة بين رموزها.

في تونس التي شهدت ميلاد الربيع العربي  -المأسوف على حياته القصيرة – تتعزز بالانتخابات الرئاسية الجديدة فرص نجاح التجربة التونسية في  الإفلات من محاولات إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء، وإفشال رموز الدولة العميقة السابقة، في استعادة ما فقدته من سلطة وامتيازات. كما يتأكد من خلال هذه الانتخابات نجاح القوى السياسية التونسية، في ضبط خلافاتها، ومنع قوى التطرف والإرهاب من النفاذ بينها وصولاً إلى مصادرة مشروع التغيير برمته، بل ومحاولة اختطافه، ومصادرته كما حدث في دول أخرى، من الدول العربية التي كانت للثورة التونسية، أصداء مسموعة فيها.

ومع أن النجاح التونسي  يظل بالمعيار السياسي نجاحًا نسبيًّا،، ومع أن الكلفة التي يدفعها الشعب التونسي، وهو يتمسك بمطالب الثورة ستكون عالية،  إلا أن اللافت أن قطار التغيير ظل في كل محطاته، محكومًا بآليات التغيير السلمي، وبأسسه التشريعية، وشروطه القانونية، فلم يتم إقصاء أحد، أو تهميش قوى، فشهدنا تعايشًا –غير مألوف في الدول العربية الأخرى— بين رموز من المعارضة التاريخية، التي تبوأت أرفع المناصب  وأوسع الأدوار، فيما ظل الاعتبار محفوظًا، والمجال واسعًا  للعديد من قيادات ورموز الدولة التونسية الحديثة التي عرفناها في عهود سابقة.

وبانتظار ما تفرزه الانتخابات التونسية من نتائج، فإن عين المواطن العربي لا تترقب من يفوز ومن يخسر في هذه الانتخابات، بل ينصرف اهتمامه لمعرفة ما إذا كان عود التحول الديمقراطي في تونس صلبًا بما فيه الكفاية،  لتحمل أعباء التحديات والاستحقاقات التنموية والاجتماعية، التي تنتظر دورها، بعد النجاح في إنجاز الاستحقاق السياسي، وتجاوز عقبة التحول الديمقراطي.

في السودان هناك نموذج واعد  آخر، بشر به اتفاق المصالحة بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى التغيير المدنية التي قادت الثورة على النظام البائد. وأهمية التجربة السودانية الواعدة، أنها نتاج اتفاق سياسي ارتضته مختلف القوى،  ضمن مشروع سياسي حفظ لمختلف الكيانات، ما لها من أحجام، وما تملكه من إمكانات.

والأهم من ذلك، أن هذا الاتفاق الذي أنتج حكومة توافق مدنية ولفترة انتقالية، جاء بعد حالة من الاستعصاء السياسي، امتحنت فيه قدرة  القوى المختلفة، وتبينت فيها الأحجام الحقيقية لكل قوة، بحيث بات من الصعب على أي قوة أن تدعي شعبية زائفة، وأن تكتسب حقوقًا لا يدعمها الشارع، ولا تحظى بالصدقية الكافية لنيل ثقته ودعمه.

أهمية الاتفاق السوداني الذي بدأ تطبيقه عمليًّا على الأرض، لا يكمن في التوافق على صياغة مقبولة من كل الأطراف، بل في كونه يقطع الطريق أمام قوى الدولة العميقة، التي سيطرت على الحياة السودانية أكثر من ثلاثة عقود متوالية، وفي قدرته على التصدي لمن حاول اختطاف ثورة الشعب السوداني وحصرها في برنامج حزبي ضيق، أو أجندة جماعَة سياسيّة، تلغي ما عداها، وترفض مبدأ المشاركة السياسية، من الأساس، وتعد الديمقراطية رجسًا من عمل الشيطان، وتداول السلطة بدعة، من تلك التي تجعل منها ضلالة، تقود صاحبها إلى النار، والعياذ بالله .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com