لو يغار المحافظ!

لو يغار المحافظ!

سليمان جودة

عاش الدكتور غازى القصيبى شاعرًا، وسفيرًا للمملكة العربية السعودية فى لندن، ووزيرًا للعمل فى الرياض، وجاء عليه يوم فى الوزارة ارتدى ملابس الجرسونات، ومضى إلى مطعم من مطاعم العاصمة السعودية، وراح يقدم الطعام للزبائن!.. ولم ينتبه كثيرون منهم إلى أن الذى يأتى إليهم بالأطباق ويرفعها من فوق الموائد، هو القصيبى السفير، والأديب، والوزير الشهير!.

وكان فيما بعد يروى عن الواقعة ويقول، إنه أراد أن يلفت انتباه المواطنين إلى أن العمل قيمة فى حد ذاته، وإن على الإنسان ألا يخجل من أى عمل، وإن الخجل الحقيقى هو من بقاء الشخص بلا عمل، ثم بقاء المسؤول عاجزًا عن إنجاز مهمته التى جاء من أجلها فى مكانه!.

وربما يكون الرجل، يرحمه الله، هو أول مسؤول عربى يجرب خلع ملابسه الأنيقة، وارتداء ثياب العمال، والتجول بين الموائد، وتقديم الطعام للناس!.

أما اللواء أحمد عبدالله، محافظ البحر الأحمر، فهو تقريبًا أول مسؤول مصرى يفعل الشىء نفسه، فلقد خلع البدلة، أمس الأول، وارتدى زى عمال النظافة بدلًا منها، وأخذ المقشة وراح ينظف شوارع محافظته فى الغردقة مع باقى العمال!.

وعندما جرى تداول صورته فإنها انتشرت وذاعت على أوسع نطاق، وكان ذلك دليلًا على أن المواطنين متعطشون إلى فعل من نوع ما قام به الرجل.. فالقصة ليست فى أنه ارتدى زى عامل نظافة، ولكن القصة فى ثلاثة أشياء: أولها القدوة وقيمتها فى حياة المواطنين، وثانيها شعور المواطن خصوصًا فى المحافظات البعيدة بأن المسؤول قريب منه، وثالثها أن العمل لا يجب أن يأنف منه أحد!.

وقد تمنيت لو أن هذه البادرة قد جاءت من محافظ الجيزة اللواء أحمد راشد بالذات، فعمال النظافة فى محافظته تركوا عملهم فى غالبيتهم، وتفرغوا للتسول بالزى الرسمى للعمل، وصار شيئًا عاديًا للغاية ومحزنًا فى ذات الوقت أن تصادفهم فى شوارع الدقى والمهندسين، وقد أمسك كل واحد منهم مقشته فى يد، بينما اليد الأخرى ممدودة لسائقى السيارات!.

وأما اللواء خالد عبدالعال، محافظ العاصمة، فإننى أدعوه إلى أن يغار على القاهرة كما فعل اللواء عبدالله فى البحر الأحمر، ليس من أجل عيون السائح، الذى يرى القاهرة أول ما يرى عند خروجه من المطار، ولكن لأنها تستحق ذلك، ولأن المواطنين المقيمين فيها والمترددين عليها يستحقون، ولأن شوارعها كانت تغتسل بالماء والصابون ذات يوم، ولأنها كانت العاصمة الأنظف عالميًا ذات يوم أيضًا!.

حرام يا سيادة المحافظ أن نتكلم فى عهدك عن القاهرة بجلالة قدرها فنقول: كانت!.

المصري اليوم

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com