القوى الإقليمية وتفكيك الدول العربية

القوى الإقليمية وتفكيك الدول العربية

عبدالقادر الزاوي

على غرار القوى الاستعمارية الغربية التي عمدت إلى تلغيم معظم الأقطار العربية قبل الجلاء عنها، تحاول القوى الإقليمية المحاذية للوطن العربي وذات الأطماع التاريخية فيه ( تركيا وإيران ) هي الأخرى مواصلة تلغيم الدول العربية؛ سعيًا إلى التوسع الجغرافي على حسابها أو امتلاك النفوذ الفاعل فيها.

وكما هو معلوم، فإن القوى الاستعمارية الغربية ضمانًا لمصالحها وتأهبًا لتفجير الكيانات العربية الناشئة إذا ما تمادت في الخروج عن طوعها، استخدمت في التلغيم أساليب ووسائل متنوعة، أبرزها:

* تأجيج النعرات العرقية أو الطائفية أو المذهبية داخل الدولة الواحدة حسب كل حالة على حدة.

*رسم حدود مصطنعة بين دولتين أو أكثر فيها الكثير من الحيف والغبن لطرف لفائدة أحد الأطراف.

*زرع جسم غريب وسط المنطقة بالسماح للحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

وبما أن كلًا من إيران وتركيا قد عانت هي أيضًا من بعض تلك الأساليب والوسائل عندما خضعت لتحكم القوى الاستعمارية في شؤونها، فإنها تستلهم الكثير منها في التدخلات السافرة التي تقوم بها في الشؤون الداخلية للعديد من الدول العربية، محاولة استغلال إما التوترات الاجتماعية حيث وجدت، أو المشاكل الحدودية وما أكثرها، ناهيك عن المزايدة على الأنظمة العربية فيما يتعلق بمواجهة إسرائيل وأطماعها التوسعية، وهي مواجهة لفظية ليس إلا.

ولاستغلال تلك المعطيات من أجل تنفيذ خططها التوسعية لم تجد الدولتان معًا أحسن من التدثر بالعباءة الدينية رغم تباين مذهبيهما لتشكيل ودعم ميليشيات ”لا دولتية“ (Des milices non-étatiques) أوكلت إليها تأمين مصالحها أو على الأقل الوقوف شوكة في خاصرة الدولة الوطنية والتشويش عليها وتشتيت قدراتها.

في هذا السياق، تدخل الأدوار التي يلعبها حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، وأنصار الله الحوثيين في اليمن، وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين لفائدة إيران ومخططاتها، وتلك التي تلعبها حركة حماس الفلسطينية ومختلف الفصائل السورية على التراب السوري وتجمع الإصلاح اليمني والعديد من الحركات المحلية التابعة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين لفائدة المصالح التركية.

وتكمن خطورة هذه الميليشيات ”اللادولتية“ في كون البعض منها عابرًا للحدود، ولا يعترف بها أصلًا انطلاقًا من قناعاته بأن الأوطان أوثان، وبأن بمقدورها بدعم من حكام أنقرة وطهران وبعض أجهزة الاستخبارات العالمية كسر احتكار الدولة المركزية للسلاح والإعلام، بل وكسر التوازنات القائمة في الكثير من المناطق، والتسبب في إثارة القلاقل، وإشاعة عدم الاستقرار الذي تتغذى معظمها منه.

إن العديد من التطورات والمستجدات في الساحات العربية الملتهبة أثبتت هذه الخطورة، التي تبدو في إصرار هذه الميليشيات على إفشال كل محاولات ومشاريع التسوية السياسية التوافقية لقضايا بلدانها، وتعمدها تأجيج الصراعات والنزاعات التي تمثل مبررًا لوجودها، ووسيلة تستخدم لابتزاز دول المنطقة.

ورغم أن معظم هذه الميليشيات مدرجة في لوائح التنظيمات الإرهابية على الصعيد العالمي، فإنها تبدو غير آبهة، بل وترى في القوة التي تمتلكها، وفي مواصلة نشاطاتها التخريبية أداة فعالة لفرض نفسها في المعادلات السياسية والعسكرية المحلية والإقليمية، نموذجها في ذلك ما تعتبره انتصارًا لحركة طالبان الأفغانية التي أرغمت الولايات المتحدة الأمريكية على الجلوس معها حول طاولة واحدة لتقرير مستقبل أفغانستان، ومناقشة انسحاب آمن للقوات الأمريكية من هناك.

ومع ذلك، فإن هذه الميليشيات ليست قدرًا محتومًا إذا ما توفرت الإرادة السياسية الصريحة والنزيهة لدى كافة الدول العربية لمواجهتها وليس لمهادنتها أو التحالف معها كما يفعل البعض الآن. ويتطلب ذلك ترسيخ الوحدة الوطنية في كل دولة؛ منعًا لاستغلال أي شرخ مجتمعي يمكن التسلل من خلاله، وكذا الوقوف ندًا للند ضد القوى الإقليمية الحامية والممولة لتلك الميليشيا بتحالف عربي متماسك بعيد عن الحسابات المصلحية الضيقة.

في زمن التيه العربي يبدو الأمر بعيد المنال، ولكن ما ضاع حق وراءه مطالب.

* المقال يعبر عن رأي كاتبه

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com