العربة التي لن تجر الحصان

العربة التي لن تجر الحصان

سليمان جودة

شيء ممتاز أن تسعى الولايات المتحدة هذه الأيام، إلى الترويج لما اصطلحت إدارة الرئيس دونالد ترمب على تسميته بأنه الشق الاقتصادي من عملية السلام في المنطقة!

إنه شيء ممتاز حقاً عندما يتأمله كل متابع للقضية الأم في منطقتنا، قضية فلسطين، لولا أن هذا الشيء في حاجة إلى أن يتأخر خطوة إلى الوراء، ليكون في الترتيب الثاني، لا الأول!

ففي الورشة التي دعت إليها واشنطن في المنامة، يومي الخامس والعشرين والسادس والعشرين من الشهر الماضي، أعلن جاريد كوشنر صهر الرئيس ترمب ومستشاره الخاص، عن تفاصيل ذلك الشق الاقتصادي، وكان ذلك يحدث من جانب بلاده للمرة الأولى!

ومما أعلنه كوشنر هناك، أن هذا الشق الذي جاء يتحدث عنه، يقضي بأن تقدم الدول المانحة والمستثمرون 50 مليار دولار لتحقيق الازدهار الاقتصادي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك في دول الجوار، وأن هذا الرقم سوف يجري تقسيمه على النحو الآتي: 28 ملياراً للضفة والقطاع، تسعة مليارات لمصر، سبعة مليارات للأردن، ستة مليارات للبنان، وأخيراً خمسة مليارات لشق طريق بين الضفة والقطاع!

وإذا كان مفهوماً أن المبلغ المخصص للضفة والقطاع، هو من أجل رفع المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون تحت الاحتلال الإسرائيلي، فليس واضحاً لماذا سوف تحصل القاهرة وعمان وبيروت على ما هو مخصص لها في الخطة المعلنة، ولا ماذا سوف يكون عليها أن تقدمه في مقابل هذه المبالغ.. ليس واضحاً على الإطلاق.. وإذا كان المطلوب هو تقديم تنازلات محددة، فما صدر عن القاهرة ثم عن عمان، في توقيت انعقاد الورشة تقريباً، ينفي استعداد البلدين لتقديم أي تنازلات!

فقبل انعقاد الورشة بأربع وعشرين ساعة، كان وزير الخارجية المصري سامح شكري في زيارة إلى موسكو، ومن هناك أدلى بتصريح إلى قناة «روسيا اليوم» الفضائية قال فيه الآتي نصاً: لا تنازل عن ذرة أو حبة رمل من سيناء التي استشهد من أجلها مواطنون مصريون دفاعاً عنها وسعياً لاسترجاعها!

وكان توقيت التصريح الذي جاء في اليوم السابق مباشرة على يوم افتتاح ورشة البحرين، يشير ولو من بعيد إلى أنه يريد أن يضع النقاط فوق حروفها، فيما يتصل بما كان قد قيل عن أن دور مصر في الموضوع هو أن تقدم قطعة من أرض سيناء لتسهيل إقامة دولة فلسطينية على حدودها مع غزة، في مقابل الحصول على قطعة مساوية في صحراء النقب!

هذا كلام قيل وتردد على مدى الفترة الممتدة على طول المسافة من لحظة الإعلان عما سُمي صفقة القرن، إلى يوم الدعوة لورشة المنامة ثم انعقادها، ولم يكن يجد أحداً يكذبه ولا يؤكده، فجاء تصريح شكري بمثابة نفي رسمي له، وتأكيد على أن الذين يروّجون له يجب أن يبحثوا عن شيء آخر يتكلمون فيه!

ولم يكن الوزير شكري يغرد وحده وهو يدلي بتصريحه، فالرئيس عبد الفتاح السيسي كان قد بادر بإطلاق المعنى الذي تحدث به وزير خارجيته، وكان ذلك في حفل إفطار الأسرة المصرية، الذي دعت إليه مؤسسة الرئاسة في الثامن والعشرين من رمضان!

يومها تحدث الرئيس السيسي بوضوح لا يشوبه غموض، فقال ما معناه أن سيناء يملكها المصريون، لا الرئيس ولا الحكومة، وأن الأمر إذا كان كذلك، فليس من الوارد أن يتنازل مصري عن شيء يملكه في سيناء من أولها إلى آخرها، وأن القاهرة لا تقبل في القضية عموماً إلا بما يقبله الفلسطينيون أنفسهم، باعتبارهم أصحاب القضية التي لا صاحب لها يتحدث باسمها سواهم!

هذا عن مصر، فماذا عن الأردن، باعتبارهما الدولتين العربيتين الوحيدتين اللتين حضرتا ورشة المنامة، ليس عن رضا بالطبع بما قيل فيها، ولكن عن رغبة في المتابعة عن قرب لا أكثر، وهذا ما أكدته الخارجية المصرية نفسها عندما أعلنت أن نائب وزير المالية هو مَنْ سيمثل مصر في الورشة!

وكان حضور مصر والأردن ربما لأنهما الدولتان العربيتان الوحيدتان أيضاً اللتان تحتفظان بعلاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، ولكن هذا لم يكن يعني أن حضورهما سوف يرتب عليهما أي التزامات من نوع ما كانت الورشة تبشر به وتدعو إليه!

وقد كان تصريح شكري دليلاً لا تنقصه الصراحة في هذا الاتجاه، ثم كان الاتصال الذي جرى في اليوم الثاني والأخير لأعمال ورشة المنامة، بين عاهل الأردن الملك عبد الله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس، دليلاً آخر في الاتجاه نفسه، ولم تكن تنقصه الصراحة ذاتها، ففيه أعلن العاهل الأردني تمسك بلاده بالمبادرة العربية للسلام حلاً عادلاً للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين!

ولم يكن المرء في حاجة إلى جهد كبير يدرك به أن تأكيد المملكة الأردنية تمسكها بالمبادرة العربية، كان رداً غير مباشر، أو حتى غير مباشر إذا شئنا، على ما صدر عن كوشنر في ورشة المنامة حين قال: أي اتفاق سلام لن يكون على غرار مبادرة السلام العربية، بل سيكون في منطقة وسط، بين مبادرة السلام العربية والموقف الإسرائيلي!

ويعرف الكافة أن المبادرة العربية كان الملك عبد الله بن عبد العزيز، رحمه الله، قد طرحها في القمة العربية المنعقدة في بيروت عام 2002، وكان وقتها لا يزال ولياً لعهد الملك فهد، وكانت المبادرة تقوم في جوهرها على أساس أن على إسرائيل أن تعيد الأرض العربية التي احتلتها في الخامس من يونيو (حزيران) 1967، لتقوم دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من ذلك الشهر، وتكون القدس الشرقية هي عاصمتها، في مقابل ضمان السلام للدولة العبرية من جانب الدول العربية التي تحظى المبادرة بإجماعها!

والرياض من جانبها لا تدع مناسبة تمر إلا وتعود لتؤكد من جديد أن المبادرة العربية هي البديل العربي الجاهز لحل القضية، وأن تمسك السعودية بها ليس فقط لأن الذي طرحها هو الملك عبد الله، ولكن لأنها مبادرة عربية مكتملة، ولأنها موضع توافق عربي، ولأنها تتطلع للقضية بعين عادلة!

وقد كانت المبادرة ولا تزال هي الحصان، بوصفها الشق السياسي في الموضوع، وإذا شاءت واشنطن للورشة أن تنجح، باعتبارها الشق الاقتصادي في المقابل، فإنها تظل بمثابة العربة التي لا يمكن أن تجر الحصان.. فالعكس هو الوضع المنطقي الصحيح!

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com