سياقات في الإقليم يستحث واحدها الآخر

سياقات في الإقليم يستحث واحدها الآخر

عدلي صادق

من غير موقع الإحساس بالبغضاء، وإنما من باب تحسس الخطر؛ يتوجب على الإيرانيين والأتراك مراجعة ما اعتمدوه من سياسات وتوجهات إستراتيجية، وأن يواجهوا حقيقة التداعيات التي حلّت في الإقليم وأسبابها. ولا مناص من القول إن مواقف العرب الذين هم على الطرف الآخر من خصوماتهم، تستدعي هي الأخرى وقفات موضوعية مع الذات، وإن كان السياقان الإيراني والتركي قد خلقا أسباب تلك المواقف، بما فيها الأسباب التي بُنيت على تقديرات خاطئة. ففي البدء كان التدخل الإيراني والتركي، كلٌ منهما في وجهته، وهو ما نركز عليه في هذه السطور، لتبيان نصيبه الوافر من المسؤولية عن وجود السياقات العربية المتداعية.

لا يختلف اثنان على أن المشهد في إقليم المشرق العربي بات محزنا وعبثيا وتنقلب فيه الأولويات، وأن إسرائيل هي الطرف الوحيد المستفيد مما يجري. ويثابر قادتها على الحديث بزهو عن علاقات جديدة ومتقدمة مع الأقطار العربية، سرا وعلانية، وعندما يلجأ هؤلاء إلى التلميح، تكون من أولى مقاصدهم إيهام الرأي العام العربي بأن مثل هذه العلاقات تتسم بالعمق والشمولية، لتحقيق أحد هدفين، إما محاولة تسهيل الأمر على المُحرجين، لكي يجاهروا بما استقروا عليه من علاقات معها، أو لترغيب آخرين في الانضمام إلى نادي أصدقائها العرب المفترضين، وفي كل تلميح أو تصريح، يتعمد الإسرائيليون المبالغة وهم يعرفون أن هناك، على الجانب العربي، من هم معنيون باستكمال المهمة بوضع المطولات والشروحات، التي تؤكد على ما قالوه. وبالطبع سيكون استكمال المهمة، من خلفية السجالات الدائرة والمحاور، على الرغم من كون حال العرب اليوم، لاسيما في المشرق، يجعل من يبادر إلى هجاء طرف آخر، أحوج أكثر منه إلى الهجاء، لتشابه جنس العمل، إن كان اتصالات مع إسرائيل، أو تقارير وسيناريوهات يجري تخليقها، أو مقالات ينشرها كتاب صحافيون أجانب مستخدمون.

أمامنا ثلاثة سياقات، لها إعلامها وسياساتها ورواياتها. وهي مجتمعة تصنع طوعا أو غصبا المشهد الراهن الذي تجري فيه الأحداث، لكن أسباب السياق الإيراني، ترجح سلبا، بحكم التسلسل الزمني للتداعيات والمفاعيل المشهودة على الأرض. ويأتي السياق التركي ثانيا، والسياقان الإيراني والتركي، هما حصرا، أصحاب المسؤولية عن الكارثة السورية، سواء من خلال استبدال العسكرة بالاحتجاج الشعبي الذي شهدته الانتفاضة السورية طلبا للحرية والعدالة والتغيير الجذري في بنية السلطة. والطرفان، الإيراني والتركي، هما اللذان اختارا أن تكون الأصوليات المتطرفة، ذراعيهما الضارب. ذلك علما بأن هذه الأصوليات لا تلائم النظامين اللذين يرعيانها، ويستخدمها كل منهما خارج حدوده. وكان الأجدر بالإيرانيين والأتراك، أن يحافظوا على قوتهم داخل حدودهم، إن كان صحيحاً أنهم منحازون للحق الفلسطيني وللعدالة في سوريا، ويناهضون إسرائيل.

معلوم أن العامل الإيراني كان سببا في نشوء إحساس خاطئ، لدى بعض عواصم المشرق العربي، بأنها مضطرة إلى فتح خطوط مع الدولة العبرية وهي في ذروة قبحها واستعلائها وجرائمها وتنكرها للحد الأدنى من متطلبات التسوية. فمن نافل القول، إن إسرائيل ليست مستعدة لنجدة أي طرف حتى وإن كان يتعرض لتهديدات مصيرية، ورضع من ثديها. ولنا في تجربة الأكراد مثالا ساطعا. فالمشروع القومي الكردي لاقى الرعاية الإسرائيلية منذ سبعة عقود، دون أن يدرك الزعماء الأكراد أن هدف إسرائيل هو إضعاف العراق وفي حال ضعفه ستكون بغداد أفضل لتل أبيب من إربيل والسليمانية معا. فعندما حاولت القيادات الكردية في العراق حسم أمرها بالانفصال التام عن العراق، ورفع السُذج من الأكراد علم إسرائيل في عواصم العالم، وكان العامل الإيراني موجودا، اكتفت إسرائيل بالمراقبة من بعيد وتركتهم يلقون مصيرهم، وربما يكون الأكراد قد تعلموا الدرس.

ربما تكون المشكلة، في عدم القدرة على الفصل بين السياقات التي تختلط في الساحات. فالاستنكاف حتى عن شجب القصف الإسرائيلي لسوريا، بسبب العامل الإيراني، يجعل إسرائيل تتمادى وتتمثل دور الطرف الذي يُساعد العرب على الإيرانيين. وهؤلاء، الأخيرون، لا يريدون أن يقتنعوا بأن عليهم الاكتفاء بقوتهم داخل حدودهم، وأن محاولات التمدد والاستحواذ على دول أخرى، تخلط الأوراق وتوسع رقعة المتاهة، وتتسبب في قلب الأولويات، وفي استمرار التصادم بين الإرادات المحلية، التي تفرقت آحادا وأسعدها غياب الإرادة الواحدة القوية. كان ولا يزال الأوجب، هو العودة إلى كون فلسطين هي منصة التلاقي وقاعدته، لتصفير كل النزاعات البينية المتفشية. فإسرائيل لا تنام، وهي في شغلها الإستراتيجي، لا تترك بلدا ولا مجتمعا إلا وتُعدّ له خطة وتكون له عندها إدارة تتابع على مدار الساعة، حتى ولو كانت جزر القمر. وهذا الذي يجعلها تتمادى في العربدة، وتجعل العرب يميلون إلى الجدار المائل، الذي يمثله الأميركيون الذين لا يقبلون لإسرائيل ما هو أقل من الهيمنة.

ليس أدل على رداءة الزمن العربي الراهن، من مشهد القصف الإسرائيلي لسوريا، بينما العرب يتفرجون أو يتمنى بعضهم المزيد. والأنكى أن الإيرانيين، عندما يتعرضون للقصف في كل يوم في سوريا ولا يردون على النيران ببعض النيران، لم يتنبهوا إلى أن تموضعهم في الأراضي السورية، بات يمثل نقطة رخوة لا تتناسب مع الهيبة التي يريدونها لأنفسهم. فمازالوا يتوهمون أن وجودهم يمثل عنصر قوة لهم وليس عنصر ضعف، حتى فيما كانوا يحلمون به، من تأييد شعبي لهم في سوريا. فالمجتمع السوري المتبقي في بلاده أصبح يفضل الروس عنهم. أما الذين ثابروا على تغذية “النُصرة” وأشباهها الشريرات، فلم يفعلوا سوى الذميمتين: تقديمها هدية للمشروع الإسرائيلي، وضرب انتفاضة السوريين المدنية- السلمية وذات الحيثيات الاجتماعية- في مقتل. فلا يرجو أي عاقل، اليوم، أن تظل إدلب مرتعا للميليشيات الأصولية المتنازعة، لا يحتملها من يشدون أزرها ولا يريدونها في بلادهم، ولا هي البديل الذي يتطلع إليه السوريون، ولا هي أفضل من أعتى الدكتاتوريات!

لقد آن الأوان لأن تعترف جميع الأطراف العربية بمأزقها، وأن تراجع كلٌ من الدولتين المنطويتين على أحلام إمبراطورية، نتائج سياساتها، وتتوقف مليا أمام تنامي الدور الإسرائيلي، إلى حد جعله ثالث الشركاء الذين يفردون الخرائط ويبحثون مصير المنطقة، في غيبة العرب والإيرانيين والأتراك!

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com