إيران وأميركا.. مقاربات التفاوض

إيران وأميركا.. مقاربات التفاوض

عبدالوهاب بدرخان

حَفَل شهران من التوتر، بتطورات تدعو إلى مراجعة إدارة الأزمة، بين إيران والولايات المتحدة. العقوبات لا تزال مشدّدة وفاعلة، وهي الأساس في الاستراتيجية الأميركية، واستباقاً لأي ردود فعل عسكرية إيرانية حشدت الولايات المتحدة قوة بحرية بهف الاحتواء والردع، ما يُفترض أنه يشكّل منظومة حصار متكاملة لدفع إيران إلى الموافقة على خيار التفاوض للبحث في المآخذ الدولية والإقليمية عليها، وأهمها عناوين ثلاثة: الاتفاق النووي، البرنامج الصاروخي، والسياسات الإقليمية. يمكن إضافة عنوان رابع، هو مستقبل العلاقة الأميركية – الإيرانية، ومن الواضح أن هذا الملف هو ما يعرقل أي تفاوض، إذ إن طهران لا تريد لأي علاقة خارجية أن تتدخّل أو تتحكّم بأي من مشاريعها، وهي قبلت بصعوبة، وبعد مماطلة التفاوض، على برنامجها النووي واشترطت صيغة موسّعة (مجموعة الدول الـ 5+1) لئلا تفاوض أميركا وحدها، لأنها تعلم مسبقاً أن ستفرض قيوداً على معظم أنشطتها، وهو ما لا ينطبق على علاقاتها مع روسيا والصين والدول الأوروبية.

لذلك تطيل إيران التفاوض على التفاوض، عبر قنوات متعددة، وترفقه باستراتيجية استدراج إلى مواجهة عسكرية، آملة في زعزعة الشروط الأميركية، فتتمكّن عندئذ من حصر التفاوض بـ «تعديل» الاتفاق النووي بمعزل عن الملفات الأخرى، ودائماً وفقاً للصيغة الموسّعة، لكن لقاء رفع كلّي أو جزئي للعقوبات الجديدة كثمن لموافقتها على التفاوض. وبما أن طهران تقدّر أن أميركا لن توافق على مسارٍ كهذا، فإنها لوّحت بخيار الحرب بعد انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق، ثم وضعته على الطاولة بعد الموجة الأولى من العقوبات المشدّدة، وأخيراً بدأت تفعيله مع سعي واشنطن إلى «تصفير» صادراتها النفطية. ورغم أن الإدارة الأميركية قدّرت أن منظومة «العقوبات زائد الردع» فاعلة إلا أنها، بعد إسقاط الطائرة المسيّرة «آر كيو – 4 أي غلوبال هوك»، لم تعد كافية لـ «الردع» أو لمنع نشوب حرب ولا لجلب إيران إلى التفاوض، إذ تبدو ثغرات هذه المنظومة مكشوفة أمام طهران، وقد استغلّتها بأكثر من وجه لضرب سفن وناقلات نفط ولإفلات «الحوثيين» في استهدافهم لمرافق حيوية في السعودية، بل أيضاً لتمكين الميليشيات العراقية من القيام بعمليات مماثلة لتلك «الحوثية».

كانت هناك مبرّرات عدة، لقرار ترامب وقف القصف الأميركي ردّاً على إسقاط الطائرة المسيّرة، لكنه يعلم أنه لا يستطيع تكراره إذا ما تكرّر ضرب أهداف أميركية، حتى لو لم تكن مأهولة، والأكيد أن إيران ستعاود الكرّة، فهي تلاعبه وتستخدم مثل هذه الضربات لتحدّيه ولتسجيل نقاط ضد أميركا. وإذا كان قرار ترامب فُهم أكثر بعدما أعلن بنفسه استهداف المرشد الإيراني بعقوبات جديدة، بمعنى أن هذا هو النوع الذي يفضّله من الحروب، فقد استشعرت طهران «الإهانة»، كما وصفها المرشد شخصياً، ولأنها لا تملك إمكان الردّ بالمثل، فإنها ردّت بأن ترامب قضى عملياً على خيار التفاوض، خصوصاً بعدما فُرضت أيضاً التلويح عقوبات على وزير الخارجية، محمد جواد ظريف. هذا يعني ترجيح خيار الحرب الذي لا يريده ترامب لكن توقّعه أنها «لن تكون حرباً طويلة»، ولن تشارك فيها قوات أميركية على الأرض، دفع كثيرين إلى التساؤل عما إذا كان هذا مجرّد سجال كلامي أو أن أميركا لم تضع خطة لحرب محتملة أو أنها، مثل إيران، لن تقاتل على أرضها ولا بجنودها، بل تتحاربان بالآخرين وعلى أرضهم؟

في أي حال، لم يكن التفاوض قريباً أو وشيكاً، وربما توصّل لقاء الرئيسين الأميركي والروسي على هامش «قمة الدول العشرين» في أوساكا، إلى معطيات تعيد إطلاق الاتصالات، من أجل «حوار متحضّر»، وفقاً لما دعا إليه وزير الخارجية الروسي. يدعم ذلك أن طهران تعرف جيداً أن التفاوض طريق خلاصها من العقوبات، أما الحرب فتزيد اقتصادها اختناقاً. في الجانب الأميركي دُرست سيناريوهات لحرب محدودة ومقنّنة، إذا اقتضتها الظروف، لكن الردع وعدم الرغبة في الحرب ربما حميا الأميركيين ومصالحهم حتى الآن، لكنهما تركا لإيران هامشاً لتكتيكات في دول الجوار باتت تتطلّب خططاً خلّاقة لمواجهتها ولتأكيد المسؤولية الأميركية في تأمين حركة الملاحة والتجارة الدولية.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com