العصا السياسية والجزرة المالية في صفقة القرن

العصا السياسية والجزرة المالية في صفقة القرن

تاج الدين عبد الحق

انتهت ورشة البحرين، التي ترقب الكثيرون انعقادها، إلى غير ما بدأت به. فمن صخب حول من يحضر ومن لا يحضر، إلى حضور متردد أو باهت، لا يعكس العنوان الكبير، ولا الأهداف العريضة التي بشر بها عرابو صفقة القرن. انتهت الورشة إلى حصيلة هزيلة من التطمينات المنزوعة الدسم، والوعود المتفائلة التي لا تتوفر لها آليات التنفيذ.

والملاحظة الأولى التي لفتت الانتباه في هذه الحصيلة الهزيلة من النتائج، أن الذين شاركوا في الورشة، هم في أغلبهم من الفنيين، والمتخصصين في مجال حساب التكاليف وتقدير الميزانيات، ولم يكن من بينهم من يملك القرار، أو لديه تفويض للموافقة على قرارات أو قدرة على تقديم تعهدات ورفض التزامات.

 وباستثناء عراب صفقة القرن، صهر الرئيس ترامب وكبير مستشاريه جاريد كوشنر، فإن الحديث السياسي عن ورشة البحرين كان يتم في الكواليس وخارج القاعة وعبر وسائل الإعلام، باعتبار أن ما يعرض فيها هو الجزرة، التي تعوض الفلسطينيين عما يطلب منهم من تنازلات سياسية، تطال حقهم التاريخي والسياسي والقانوني.

حزمة الإغراءات التي عرضت في ورشة البحرين، كانت تلعب على وتر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها أبناء المنطقة العربية بشكل عام والفلسطينيون بشكل خاص.

لكن تلك الإغراءات ظلت إلى جانب هزالتها النسبية، تفتقر إلى أبسط قواعد التعامل الأخلاقي، مع حقوق وطنية، وهواجس أمنية وسياسية، سواء للفلسطينيين أو لدول وشعوب المنطقة.

وبعكس المقاربة السياسية الأمريكية للمطالب والشروط الإسرائيلية، فإن الورشة كانت ترفع عصا التجاهل والإهمال للحقوق الفلسطينية والعربية التاريخية والسياسية والجغرافية، حاصرة الصراع بالبعد المادي الصرف، الذي لا يمكن أن يقبل به سياسي عاقل، وهو يرى الاختلال في ميزان ما تقدمه واشنطن بشق النفس للفلسطينيين، وما تقدمه بسخاء وعن طيب خاطر، للإسرائيليين.

فإدارة الرئيس ترامب، قدمت لإسرائيل – وحتى قبل أن تعلن عن صفقة القرن – هديتين تاريخيتين، لم تقدم عليهما أي من الإدارات الأمريكية التي تعاقبت على البيت الأبيض، منذ احتلال إسرائيل للقدس والضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 .

فقد أعلن ترامب، بقرار غير مسبوق، اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، متجاهلًا كل الاعتبارات القانونية والتاريخية والسياسية التي كانت تمنع رؤساء الولايات المتحدة من الإقدام على مثل هذه الخطوة.

وأكثر من ذلك، قام ترامب، بشكل مفاجئ، بالاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة؛ ليضع بذلك عصًا غليظة جديدة، في مساعي السلام المتعثرة أصلًا بين إسرائيل وسوريا.

إلى ذلك، فقد أقدم ترامب على وقف مساهمة الولايات المتحدة في ميزانية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، في بادرة فهم منها نية الإدارة الأمريكية ورغبتها، في تصفية قضية اللاجئين، التي شكلت على الدوام عنصرًا من عناصر أي حل سياسي نهائي للقضية الفلسطينية.

 وبموازاة ذلك، فإن الإدارة الأمريكية أخذت بالتضييق الدبلوماسي والسياسي على السلطة الفلسطينية، وتقليص المساعدات لها؛ بهدف إجبارها على الرضوخ للرؤية الأمريكية بشأن شروط التسوية وحدودها ونطاقها.

والخلاصة، أن الإدارة الأمريكية التي كانت تدفع بسخاء ثمنًا سياسيًا كاملًا لإسرائيل، مقابل ما يمكن أن تقدمه تل أبيب لتمرير صفقة القرن، اكتفت عند مخاطبة الفلسطينيين بالإعلان عن ثمن اقتصادي ومالي ”بخس“، لكل الحقوق الوطنية والتاريخية لهم، ولتضحيات أجيال كاملة منهم ومن العرب الآخرين.

وأكثر من ذلك، فإن الثمن الذي حددته الإدارة الأمريكية للصفقة، لن يدفع من حسابها، بل عملت على ترتيب صيغة تجعل عبء ومسؤولية التمويل وحدوده وطريقة توزيعه، يقع على عاتق الدول العربية، وكأنها هي التي تحتل الأراضي الفلسطينية وتنتهك حقوق أبنائها.

فشل ورشة البحرين وعدم وصولها لأي أساس مشجع على تنفيذ الشق السياسي من صفقة القرن، قد لا يقف عند حدود ما شهدته مناقشات الورشة من اختلال في المعايير، بل قد يمتد إلى ما هو أبعد، إذ قد لا يكون بعيدًا عن الإدارة الأمريكية أن تعلن أن من يتحمل المسؤولية عن فشل المسعى الأمريكي في ورشة البحرين، هم الفلسطينيون؛ برفضهم ”الرشوة المالية“ التي قدمت لهم للتنازل عن حقوقهم الوطنية، وقد بدأت إرهاصات هذه الاتهامات بإعلان كوشنر بعد اختتام أعمال الورشة، ”أن الباب لا يزال مفتوحًا للفلسطينيين، للانضمام إلى ما وصفه بخطة السلام، إن هم أرادوا فعلًا تحسين حياة شعبهم“، في تقزيم واضح للقضية الفلسطينية وحصرها في المطالب الحياتية اليومية، والتي هي من صنع الاحتلال ونتيجة من نتائج استمراره، ومظهر من مظاهر الإجراءات الإسرائيلية القاسية التي حاصرت الفلسطينيين، وسلبتهم عبر عقود من الاحتلال، أراضيهم، وعرقلت كل نشاط يسمح لهم بإطلاق طاقاتهم واستغلال مواردهم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com