في الصياغة الروسية لمستقبل سوريا

في الصياغة الروسية لمستقبل سوريا

عدلي صادق

بخلاف ما يُنشر من أنباء وتقارير وتحليلات تتعلق بالمشهد العام في سوريا، وأبرز ألوانه وحقائقه، الهيمنة الروسية على البلاد، سيزيدك من الشعر أبياتا، لقاؤك بمواطن سوري متعلم وفطن وله علاقاته ورؤيته، زار بلاده وعاد منها.

ففي هذه الأثناء، تتزايد وتتراكم بشكل حثيث ومطرد الوقائع الدالة على سيرورة متحركة سريعا في اتجاه صياغة الشكل النهائي لنظام الحكم ومصير البلاد ومسارات المجتمع، وتوجهات الاقتصاد وبُنية الجيش، حسب ما تراه موسكو وتريده. ويتضح مما يُروى ويُشاهد بالعين المجردة، أن خطط الروس على هذه الأصعدة كلها، تمضي على قدم وساق، لا تُبطئها أي عراقيل، لاسيما وأن الوجود الإيراني يفقد زخمه يوما بعد يوم، ليس بسبب شواغل إيران وظروفها ومعاركها الراهنة في أماكن أقرب إلى حدودها وحسب، وإنما أيضا لكون الشعب السوري الباقي على أرضه، أصبح بعد أن وقعت الفأس في الرأس، يتحاشى الوقوع تحت المزراب، في الأماكن التي نجا فيها من الدلف، إذ يزعجه استبدال الأصولية الدينية الشيعية المتطرفة بالأصولية السُنية التي تضاهيها في التطرّف. لذا وجد فرصته سانحة في أن تخلو المناطق التي تعتبر تحت السيطرة الاسمية للنظام، في الخلاص من أي مجموعات متطرفة، تحاول فرض نمط الحياة الذي يلائمها ولا يخصم من جموحها في اتجاه المجتمع ولا يهذب أو يخفف اندفاعها إلى استباحته.

والروس، من جانبهم، معنيون بتلبية رغبة السوريين في الخلاص من كل ذوي الهستيريا في لبوس الدين، ومعنيون أيضا بدفع عجلة الاقتصاد إلى خارج مربع الكارثة، وهذه مهمّة لا يقدر عليها النظام ولا يصلح لها، لا من خلال القطاع العام، ولا من خلال القطاع الخاص الموصول بمراكز القوى في الحكم، والمعروف بنزعات الفساد والاعتصار!

عوامل كثيرة، تجعل المواطن السوري، مضطرا إلى اختيار ما يمكن احتماله، لكي يتحاشى ما لا يُحتمل، برغم ما يمثله الخيار الأول من فقدان السيادة وبسط النفوذ الأجنبي المتلطي بدور الصديق المُنقذ. فالسيادة التي تعني عودة السلطة إلى انفلاتها الأمني على المجتمع، يخشاها السوريون، ولن يكون مأسوفا من جانبهم على ضعفها، وبخاصة أن من يضعفها هو صديقها الذي أنقذها وأنست به.

أما الإيرانيون الذين أطلقوا ميليشياتهم الأصولية المتطرفة، فإنهم غير محمودين. ثم إن ميليشياتهم، أصلا، لم تتأهل لدورها الذي يُفترض أنه من نوع الطموحات الاستراتيجية لنظام الولي الفقيه. وقد زاد من الطين بِلة، أن من بين هذه الميليشيات العنصر العراقي، القادم من آلام ومظالم حقبة طويلة من الكبت والرجاء، وتغلب على هذا العنصر، سمات الغلاظة والانتقام حيال من لم يظلموه من الناس العاديين في سوريا. فبالمقارنة مع الروس، يصبح الأخيرون أخفّ وطأة، وهذا ما استقر في قناعات عدد معتبر من عناصر الجيش ضباطا وجنودا، من كافة الطوائف. ومن تجليات هذه الحقيقة أن الروس عندما توسعوا في الهيمنة، شكلوا ميليشيات تابعة لهم، وابتعثوا إلى بلادهم عددا كبيرا من ضباط الجيش، دون الرتب الأعلى، لتهيئتهم لقيادة الجيش في مرحلة مقبلة، ضمن رؤية لها معاييرها ونواياها على صعيد حجم الجيش وتسليحه ومحدودية تأثيره، تماشيا مع الحسابات الإقليمية، وبخاصة الحسابات الإسرائيلية.

أما على مستوى الاقتصاد، فقد أسس الروس، بموافقة أوتوماتيكية من النظام لا يملك سواها، منتدى اقتصاديا روسيا – سوريا، يستحوذ على مناطق النفط والغذاء شمالي غرب سوريا، ويؤمن للشركات الروسية الدخول بشكل قانوني بالشراكة مع رجال الأعمال المرتبطين بالنظام أو الذين يعملون لصالح شخصيات نافذة فيه. والروس معنيون باسترجاع ما بذلوه من أموال، لإبقاء الأسد في السلطة، ولا يمانعون في تغييره في حال كانت طواعيته لهم لا تكفي لتلبية طموحاتهم والتزاماتهم المسكوت عنها حيال إسرائيل.

وفي هذا السياق، تراهم يبدأون بالمفيد، أي في قطاعات مضمونة الربح وسريعة العائدية، كمشاريع الطاقة والبناء. وفي هذا الإطار جرى تفعيل المنتدى الروسي – السوري بشكل لافت، منذ فبراير العام الماضي، وكان الجانب الروسي حريصا على استباق موعد الدخول التركي والأميركي على الخط، بعد أن أوشكت الحرب على النهاية ودخلت فصلها الأخير.

ومن المفارقات، أن التطورات الجارية الآن، جاءت كلها لصالح روسيا فلاديمير بوتين، وفتحت له مسالك الاستفادة من جميع المواجهات الدائرة في المنطقة، بل منحته الفرصة لاستعادة إرث الاتحاد السوفييتي على مستوى السياسة الخارجية، وأن يظفر بسيطرة غير مسبوقة على سوريا بشكل أقوى بكثير من قوة نفوذ الاتحاد السوفييتي فيها، عندما وصلت علاقات التعاون مع العالم العربي إلى ذروتها بعد حرب العام 1967. وبحكم طبيعة الصراع الدائر في سوريا، وخطوط التماس مع إيران وتركيا وإسرائيل، وصراع المصالح وحسابات الأميركيين، أصبحت الهيمنة الروسية على سوريا ورقة ضغط قوية على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كافية لإجبارهما على تقديم تنازلات لروسيا في مناطق وقضايا أخرى.

وكان طبيعيا، أن يرى الروس في المشروع الإيراني، منافسا مقلقا ولا يستهان به، على الرغم من العلاقات المتطورة بين موسكو وطهران. فالإيرانيون، وإن كانوا في طليعة من هبّوا لنجدة النظام، وكانوا شركاء الروس على هذا الصعيد، لا يرون في النظام العلماني والوراثي المستند إلى الفكرة القومية العربية، شريكا طبيعيا لهم، لا في السياسة ولا في الأيديولوجيا بمطلقاتها ولا في الطموحات القومية. فسوريا بالنسبة للنظام الإيراني، فضاء جغرافي لازم للتمدد في المنطقة والوصول إلى البحر المتوسط، بشافعة أيديولوجيا ترمي في بطنها، للعرب، غواية التحرر و”تدمير” المشروع الصهيوني أو على الأقل كبحه.

غير أن طبائع جحفلها الميليشاوي، وثقافته، جاءت طعنة في مقتل، ولعل ما زاد المقتل مقتلا في سوريا، أن الطرف الإسرائيلي البارع في الشكاية مع العدوان، يتطيّر من الإيرانيين، وقد تعمد إضعافه وبالمحصلة إهانته يوميا بقصف مراكز تموضعه، وجعلها النقطة الأضعف في أداء إيران ومقارباتها في المنطقة. وواضح أن الضربات الإسرائيلية لا تزعج الروس، بل هي بالعكس تساعد على إخلاء الساحة لهم، بحيث لا تتبقى سوى “تشطيبات” أخيرة، يمكن أن تتكفّل بها ميليشيات تابعة لموسكو.

وكان من انعكاسات العقوبات الأميركية على إيران، أن توقف تسديد نفقات الميليشيات التابعة لطهران، فبدأت هذه الميليشيات تنفلت أكثر، وهذه أيضا أوضاع يستفيد منها الروس. وهؤلاء الأخيرون، نجحوا حتى الآن، في ضبط الأمور في منطقة حوران وبعض المناطق الشمالية، ووفروا مثالا يمكن أن يُحتذى في مناطق أخرى في الشمال والشمال الغربي.

خلاصة القول، إن الهيمنة الروسية على سوريا، جعلت موسكو تتجاوز كل المعايير والضوابط التي حكمت جميع تجارب “التعاون” بين الاتحاد السوفييتي والأقطار العربية. فمن سابع المستحيلات، أن تكون لبشار الأسد القدرة على إنهاء مهام الجيش الروسي في سوريا، أو حتى إنهاء خدمات المستشارين، مثلما فعل أنور السادات في مصر في صيف العام 1972.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com