خطر الإرهاب في ليبيا يضع تونس في عنق الزجاجة

خطر الإرهاب في ليبيا يضع تونس في عن...

التدخل العسكري لمحاربة عناصر «داعش» الإرهابية في ليبيا، التي تحلم بدولة الخلافة، يبدو أكثر خطورة ومجازفة من تدخل تونس للإطاحة بنظام القذافي في 2011.

ما كشفه تقرير أوروبي مؤخرا عن أن معسكرات تدريب الإرهابيين التابعة لتنظيم داعش على الأراضي الليبية، تقوم بتخريج 300 إرهابي شهريا، جاء ليؤكد ما يتداول عن خطر الجماعات الإرهابية في ليبيا من جهة، مع تحديد حجم الخطر ومعدل تزايده من جهة ثانية. فنحن أمام ورشة دؤوبة في إنتاج القتلى، مع سبق الإصرار والترصد والتلذذ، تنبئ بأن ملامح المشروع في اتضاح وتبلور مستمرين، وأن الحركة الإرهابية النشطة في داخل ليبيا ليست حركة مجانية بقدر ما هي ذات أهداف معروفة.

لذلك، فإن التقرير الأوروبي المشار إليه وأمام ضخامة الواقع الإرهابي على أراضي الواقع الليبي، فإن فرنسا بدت منتصرة لسيناريو التدخل العسكري، وهو ما اقتضى منها – أي فرنسا – الضغط على تونس من أجل تبني خيار التدخل العسكري والمشاركة فيه بأي شكل من الأشكال. وكي نفهم ما وراء هذا الضغط الصامت على تونس من المهم التذكير بأن أي ضربة عسكرية لليبيا أو تدخل فيها يجب أن يحظيا بتأشيرة ودور تونسيين. ولا نبالغ إذا قلنا، إن القضاء على نظام العقيد معمر القذافي ما كان ليكون بتلك السرعة وعلى تلك الشاكلة لولا تدخل تونس وقبولها أداء دور رئيسي واستراتيجي طلبته منها قوات التحالف آنذاك. بل إن أسرار الدور الذي قامت به تونس سرا ووسط غموض إعلامي كبير، لا تزال مسكوتا عنها وغير مدركة حتى من طرف بعض الدوائر الدولية الضيقة.

ولكن التدخل العسكري لمحاربة عناصر «داعش» الإرهابية في ليبيا، التي تحلم بدولة الخلافة، يبدو أكثر خطورة ومجازفة من تدخل تونس للإطاحة بنظام القذافي في 2011، وذلك لأسباب عدة؛ أولها أن موقع تونس جغرافيًا وسياسيًا يجعلها في صورة مشاركتها – بل وحتى في صورة وقوع تدخل عسكري لا تشارك فيه تونس – مستهدفة أكثر من غيرها من الدول وعرضة لعمليات انتقامية مفتوحة، وخصوصا أن هناك خلايا نائمة – مجازا – في جبال الشعانبي بمحافظة «القصرين» التونسية.

وما فتئت العناصر الإرهابية ترسل رسائل استفزاز إلى الأمنيين في تونس، وآخرها حادثة ذبح رجل أمن في محافظة زغوان بتونس مساء الأحد الماضي؛ فهي رسائل ترمز إلى أن الخلايا نشطة وعازمة على تمرير مشروعها الدموي، مع ما يعنيه ذلك من استفزاز مقصود للجهاز الأمني الذي تمكن من إحباط عمليات كانت تنوي المجموعات الإرهابية من خلالها إفشال سير الانتخابات التشريعية والرئاسية واحتفالات ليلة رأس السنة الميلادية وذكرى المولد النبوي الشريف.

كما لا ننسى هشاشة الوضع في تونس اقتصاديا وسياحيا وماليا وأمنيا. وليس سهلا أن تنخرط النخبة الحاكمة الجديدة في تونس في مغامرة محفوفة العواقب وغير مضمونة بالمرة، حيث إن الشيء المضمون الوحيد فيها هو أنه لا مهرب من الأضرار والخسائر.

هذا دون أن تفوتنا الإشارة إلى معارضة أحزاب عدة لأي تدخل عسكري داخل ليبيا، وعلى رأس هذه الأحزاب حركة النهضة التونسية التي ما فتئت تكرر أن ما يجري في ليبيا شأن داخلي ومن الخطأ دولنته لأن في ذلك خطرا على الجميع، وعلى رأسهم البلدان المجاورة لليبيا.

من ناحية أخرى، هناك معطى آخر يجعل من تونس واقعة اليوم في عنق الزجاجة فيما يخص الوضع الليبي وخطورته المزدوجة، يتمثل في أن موقف الجزائر واضح ويفضل التسوية الليبية بين الأطراف المتصارعة، سواء التي في الصورة أو المقنعة. ولا تستطيع تونس أن تنفرد بموقف مخالف لموقف الجزائر، وخصوصا أن حاجة تونس للجزائر في معالجة ملف الإرهاب حيوية وأساسية.

من هذا المنطلق، فإن الضغط الذي تمارسه بعض البلدان الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، على تونس للانخراط في حل التدخل العسكري وتقديم الدعم اللازم لمثل هذا الحل، يبدو متغافلا عن ضغوطات الموقف التونسي وحدوده، إذ من الأجدى أيضا أن تقبل الجزائر بالتسوية العسكرية للأزمة الليبية، فإن ذلك سيكون بمثابة المدخل الحاسم لتغير موقف تونس. بمعنى آخر تونس ليست رافضة لأسباب مثالية مبدئية، بل لأنها لا تستطيع خوض مثل هذه المغامرة في هذا الوقت، وبهذه المؤشرات الاقتصادية والسياسية والأمنية الهشة.

فسياسيا يمكن أن تمثل الاستجابة للضغط الفرنسي، تضحية مجانية تقوم بها حركة «نداء تونس» صاحبة الأغلبية في مجلس النواب والفائز رئيسها مؤخرا بالرئاسة.

ويمكن القول، إن هذه المسألة ستكون أولى المسائل إحراجا وإرباكا للنخبة الفائزة في الانتخابات، حيث إن الخسارة ستكون أمامها في كل الحالات ولا مهرب منها. وهي خسارة متوقعة لبلد لا يتحمل حاليا أي خسارة، وهو بالكاد حاول القبض على العناصر الإرهابية هنا وهناك من تراب تونس.

وفي مقابل ذلك، وهنا ينطبق بالفعل وضع «عنق الزجاجة»، من غير الممكن السماح لتنظيم داعش بالتوغل وبتخريج الإرهابيين بالعشرات والمئات وانتداب الأطفال والشباب ومزيد التمكن من الخريطة الليبية دون أن يكون هناك رد فعل معين أو المشاركة في رد فعل يتم تحديده وإيثاره. فخطر هذه الجماعات الإرهابية آتٍ، سواء أحجمت تونس عن المشاركة أو أقبلت عليها، وهنا مكمن الورطة.