الرياض وبغداد … مصافحة أم مصالحة؟

الرياض وبغداد … مصافحة أم مصالحة؟
محمد فهد الحارثي

قررت السعودية فتح سفارتها في بغداد وقنصلية في اربيل عاصمة كردستان، وهي خطوة يترقبها كثيرون خاصة أن السفارة السعودية مغلقة منذ أكثر من أربع وعشرين عاماً، وهناك تباعد سياسي بين البلدين.

الخطوة السعودية جاءت بعد وجود حكومة عراقية جديدة أتت بلغة منفتحة على الآخر وبنوايا إيجابية، عكستها تصريحات المسؤولين العراقيين وعلى رأسهم حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي. وكانت زيارة الدكتور فؤاد معصوم رئيس الجمهورية العراقية للسعودية نوفمبر الماضي ولقاؤه خادم الحرمين الشريفين نقطة مفصلية في تدشين عودة العلاقات بين البلدين.

يعتقد البعض أن تهديد داعش ساهم في عودة العلاقات بين البلدين، إلا أن الحقيقة أن السعودية كانت حريصة على علاقات سياسية قوية مع العراق لكن إدارة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي كانت عقبة في بناء علاقات سياسية مع السعودية والدول العربية.

وساهمت السياسة الطائفية والإقصائية للحكومة السابقة في تأجيج الصراع الطائفي داخل العراق وكانت نتيجتها ان دولة مثل العراق تسقط اهم مدنها أمام عصابات داعش وينهار الجيش العراقي لأن شرائح كبيرة من العراقيين كانت تشعر بالغبن والتهميش.

وكشفت هذه الأحداث عن هشاشة حكومة المالكي والأخطاء الجسيمة التي وقع فيها. وكان من الطبيعي أن يغادر المالكي لأن استمراره كان يعني دماراً للعراق أو ما تبقى من العراق.

محيط العراق ونسيجه الطبيعي هو العالم العربي. وتاريخياً واستراتيجياً لم يخرج العراق من المظلة العربية. لذلك أن يكون القرار العراقي في بغداد بيد عاصمة اخرى وليس بيد العراقيين هو وضع غير طبيعي ولا يتفق مع السياق التاريخي والتركيب السكاني للعراق.

وهذا الوضع انعكس بنتائجه السلبية على العلاقات العربية العراقية. لقد مّثل تولي حكومة جديدة أملاً بأن يعود العراق إلى عمقه العربي، وخاصة أن الأمن الإقليمي العربي يمر بأسوأ مراحله. وهناك حاجة شديدة لدول عربية مؤثرة تستطيع أن تملأ الفراغ في النظام الإقليمي العربي.

لا يتوقع خطوات دراماتيكية من الحكومة العراقية الجديدة، ولكن هناك الحد الأدنى الذي يمكن أن يضع العراق في خانة متوازنة والانفتاح على محيطه العربي والدول المجاورة. ولكن المهم أن تكون الحكومة العراقية لكل العراقيين، وأن تتعامل مع مكونات الشعب العراقي على حد سواء.

ورغم التصريحات الإيجابية التي انطلقت من المسؤولين في العراق تجاه تعزيز اللحمة للعراقيين المبنية على المواطنة والانتماء للعراق الموحد، إلا أن الكثيرين ينتظرون خطوات فعلية على الأرض تترجم هذه التصريحات.

خاصة ان الدمار الذي خلفته الحكومة السابقة في ثمانية أعوام أوجد واقعاً واستقطاباً طائفياً بشعاً وخطيراً على وحدة واستقرار العراق.

إقحام الطائفية في السياسة أمر خطير لأنه تدميره يتجاوز الضرر السياسي إلى التأثير على الشعوب وتباعدها وخلق الضغينة والأحقاد، ولذلك قد يحل الخلاف السياسي تحت أي تسوية لكن الضرر على المستوى الشعبي يحتاج فترات طويلة لعلاجه وتجاوزه. وما يعيشه العالم العربي الآن من أوضاع سيئة جزء منها يعود إلى الاستقطاب الطائفي النتن واللعب على ورقة الطائفية.

ولذلك يحتاج العالم العربي إلى مبادرات تعطي رسالة واضحة أن الطائفية مفهوم دخيل علينا واستشرى مع ثورة تكنولوجيا المعلومات والانفتاح الإعلامي وتصريحات بعض الساسة الذين يقحمون العاطفة الدينية في القرار السياسي. ما يحتاجه العالم العربي محاربة الطائفية في كل أشكالها.

الخطوة السعودية في فتح سفارتها في بغداد مبادرة إيجابية ورسالة واضحة أن الرياض تدعم عراقاً عربياً موحداً وقوياً. وأن هناك رغبة صادقة لأن يلعب العراق دوره المهم في الأمن الإقليمي العربي.

فهناك مصالح مشتركة بين الطرفين وهناك فرص لعلاقات اقتصادية مؤثرة بين البلدين، فالمنتجات السعودية ستجد سوقاً كبيرة في العراق كما أن الاستثمارات السعودية ستساهم في المشاريع العراقية. البلدان عضوان رئيسان في منظمة أوبك ومن المهم توحيد مواقفهم لتعزيز تأثيرهم وخدمة مصالحهم الاقتصادية.

فتح السفارة هي خطوة أولى في بناء علاقات قوية بين البلدين. فإذا اقتصرت العلاقات على فتح السفارة فهي أشبه بمصافحة سياسية إعلامية، لكن ما تتطلبه المرحلة مصالحة صادقة وحل الملفات العالقة والشفافية في الحوار للوصول إلى علاقات سياسية وأمنية واقتصادية متينة. وينتظر من الجانب العراقي خطوات ملموسة تعكس التوجه الإيجابي الجديد.

الاقتصاد في الدول المتقدمة هو الذي يقود السياسة. ومتى ما بنيت مصالح ومنافع للطرفين فهذا سيساهم في التقارب وازدهار الشعوب والنمو الاقتصادي للمنطقة. العراق يمتلك إمكانات هائلة لكنه عانى كثيراً من حكومات بددت ثرواتها في مغامرات طائشة أو في مشاريع لتعزيز نفوذ السلطة الحاكمة.

ويستحق العراقيون حياة افضل مما يعيشونه الآن. ووجود حكومة معتدلة ومنفتحة وذات سياسات عقلانية يبني أرضية لاستقرار امني ومن ثم ازدهار اقتصادي.

ما يجمع السعودية والعراق اكثر مما يفرقهما.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة