ديفيد فريدمان عن سبق إصرار

ديفيد فريدمان عن سبق إصرار

عدلي صادق

كان السفير الأميركي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، قد تعجل في الإفصاح عن الأمر المُضمر لدى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولم يراع حساسية وضعها في منطقة الخليج التي تشهد تصعيدا، فتحدث لصحيفة “نيويورك تايمز″ قبل نحو أسبوعين، عن نية إسرائيل ضم أجزاء من الضفة الفلسطينية أقيمت عليها مستوطنات، مُنوّها إلى تصريح أدلى به بنيامين نتنياهو في هذا الصدد. وقد مرت أيام الأسبوعين دون تعليق من وزارة الخارجية الأميركية على ما فاه به ديفيد فريدمان، سفيرها لدى إسرائيل.

وفي الأول من أمس، وقد تصاعدت التطورات في الخليج ووجدت الولايات المتحدة نفسها في حاجة إلى بيئة سياسية ملائمة لها في المنطقة، طالما أن إيران تقرع أجراسها عُنفًا يطال أهدافا على خط نقل البترول، سُئلت مورغان أورتاغوس، الناطقة باسم الخارجية، عن مدى صدقية ما ذكره فريدمان عن ضم أراضٍ فلسطينية من الضفة، فأجابت من فورها “لا يوجد أي تغيير في سياستنا المتعلقة بالضفة، ولا تعترف واشنطن بالمستوطنات اليهودية غير القانونية هناك”!

لم يسألها أحد، إن كانت هذه هي سياسة واشنطن، فما هي الحكمة في إرسال سفير إلى إسرائيل، يهودي صهيوني ينطق في السياسة، بما لا يعجز المستوطنون أنفسهم عن النطق به، ويعتبر نفسه ابن مستوطنة “بيت إيل” المجاورة لرام الله، ويكتب العمود الرئيسي في صحيفتها الأسبوعية؟

نسلط الضوء في هذه السطور، على شخصية ديفيد فريدمان، الذي لم يكن ابتعاثه لكي يتقلد منصب السفير لدى إسرائيل، إلا التجسيد العملي لمنهجية دونالد ترامب، حيال النزاع مع إسرائيل، وملخصها تطابق رؤيته مع رؤية نتنياهو واليمين المتطرف، علما بأن سفيره الجديد لم تكن له علاقة بالعمل الدبلوماسي ولا يعرف لغة هذا العمل، فهو محض محام متخصص في قضايا الإفلاس، وترافع لصالح ترامب في عدة قضايا إشهار إفلاس بعض أندية قمار كان يمتلكها.

يمكن القول عند الإطلاع على البيئة التي نشأ فيها ديفيد فريدمان، وجعلته يزاود في تصريحاته على المستوطنين في الضفة، إن هذا اليهودي الصهيوني المتطرف يؤدي ما عليه ليس باعتباره سياسيا، فهو لم يكن كذلك في أي يوم، وإنما باعتباره قد تربى وشب عن الطوق وتعلم واشتغل في المحاماة، ملتزما توجيهات أبيه حاخام كنيس “هيليل” في “وود مير” في ولاية نيويورك، التي هي أشد كنس اليهود الصهاينة تطرفا في الولايات المتحدة.

ولأن الطيور على أشكالها تقع، فقد استعان ترامب به لكي يترافع عنه في قضايا إشهار الإفلاس التي أشرنا إليها. فاز، وعندما فاز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية وعد صاحبه بمنصب سفير، دون أن يبلغه أنه سيرسله إلى حيث يهوى. وعندما أفصح ترامب عن المكان وهو إسرائيل، عبّر عديدون من الشخصيات اليهودية الأميركية، والجمعيات اليهودية، عن اعتراضهم على التكليف، لأنهم يرون مصلحة إسرائيل تكمن في التسوية على قاعدة حل الدولتين.

بل إن إحدى أشهر شركات المحاماة الأميركية اليهودية في أميركا، وهي “جي ستريت”، ثابرت على إحباط إرسال فريدمان سفيرا لدى إسرائيل. وبادر خمسة سفراء أميركيين سابقين، لدى إسرائيل، إلى التوقيع على مذكرة لمجلس الشيوخ الأميركي، الذي يصادق على تسمية السفراء، تعترض على تعيين هذا الشخص، وتؤكد على أنه غير مؤهل على أي صعيد. وساند ما جاء في المذكرة، النواب اليهود الديمقراطيون في المجلس، وكذلك منظمات يهودية أميركية عدة، من بينها، للمفارقة “أمينيو” وهي “منظمة اليهود الصهيونيين الأميركيين” و”المنتدى السياسي الإسرائيلي” و”الأميركيون اليهود من أجل السلام الآن” والمجموعة اليهودية الناشطة المسماة “إف نت ناو” (إن لم يكن الآن).

فقد وقف كل هؤلاء وغيرهم من اليهود، ضد ترشيح ربيب أكثر الكُنس تطرفا عنصريا، إذ رأوا في التسمية إرباكا للسياسة الأميركية، ومفارقة للحد الأدنى من المنطق. وللأسف لم تُسمع في هذا السياق كلمة اعتراض واحدة على ترامب، من أصدقائه في العالمين العربي والإسلامي. وحدها “منظمة الأميركيين المسلمين من أجل فلسطين” هي التي شاركت المنظمات اليهودية في الاعتراض بقوة، عندما بدأ مجلس الشيوخ مناقشة مسألة اعتماد هذا الصهيوني المتطرف، الذي يقف على يمين نتنياهو، سفيرا لدى إسرائيل!

ديفيد فريدمان، من جانبه، استخدم ضد معارضيه اليهود الخزعبلات الدعائية التي تعلمها في “الأكاديمية العبرية” في مقاطعة “ناسو” التابعة لولاية نيويورك، وهي التي بدأ فيها مشواره الدراسي. رد على شركة “جي ستريت” للمحاماة، وهي الأكثر صدقية، فقال إن هؤلاء أسوأ من “رجال الكابو” ويعني بهؤلاء حفنة من يهود الديانة، الذين تتحدث عنهم الأدبيات الصهيونية وتقول إن النازي الألماني قد استقطبهم، وأطلقهم على إخوتهم اليهود في معسكرات الإبادة، للمراقبة والوشاية. وأضاف فريدمان شارحا “إن هؤلاء محض يهود متعجرفين، يريدون تدمير إسرائيل، وينطلقون في محاولاتهم من مقاعدهم المريحة الآمنة. فهل هناك أشخاص أسوأ من هؤلاء؟”.

اللافت أن ديفيد فريدمان، كان يطرح آراءه في عمود ثابت له، في صحيفة أسبوعية تصدر من مستوطنة “بيت إيل” التي تتلقى منه شخصيا مليوني دولار سنويا، بخلاف ما يجمعه لها.

كان طبيعيا أن يتعجل ديفيد فريدمان الإفصاح عن النوايا الأميركية التي نفتها المتحدثة باسم وزارة الخارجية. لكن هذه الأخيرة، أعطت نفس النفي، في جوابها عن سؤال تفصيلي في مؤتمرها الصحافي اليومي نفسه. كان السؤال “هل ستتخذ الخارجية الأميركية أي إجراء عقابي ضد سفيرها لدى إسرائيل، على خلفية تصريحاته المذكورة”. فردت أورتاغوس “لا توجد أية نية لذلك”. وكان الأجدر بها أن تقول، متريثة غير متعجلة “ليس هذا وقت الإجابة عن هكذا سؤال، لننتظر حتى نرى ماذا سيحدث مع إيران”.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com