فرضيات المصير الفلسطيني وأسئلة الصحيفة الأميركية

فرضيات المصير الفلسطيني وأسئلة الصحيفة الأميركية

عدلي صادق

بصرف النظر عن نوعية العناصر الفلسطينية التي استفسرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مصير القضية الفلسطينية في ناظر أصحابها، لتعرف وجهة القناعات الشعبية حيال مسألة الاستقلال الوطني وقيام الدولة؛ يجدر التنويه إلى أن فكرة الاستطلاع نفسها، ربما نشأت من رغبة لدى الصحيفة في دعم ورشة البحرين التي دعا إليها الأميركيون، لوضع عربة الاقتصاد أمام حصان السياسة.

فعلى صعيد الواقع الفلسطيني، تسببت “وول ستريت جورنال” في أواخر أكتوبر 2010 في إثارة سجال داخلي محدود في أروقة السلطة، من خلال نشر مقال يتضمن توقعات لا أساس لها، بأن يتسلم ناصر القدوة، ابن شقيقة الشهيد الرئيس ياسر عرفات، مقاليد الحكم رئيسا للفلسطينيين. ولم يكن ذلك الأمر مطروحا على أي مستوى، لكن الصحيفة رغبت في التحذير من تكرار نموذج ياسر عرفات.

وبالفعل، تسبب النشر في اتساع الفجوة النفسية، بين الرئيس محمود عباس وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح ناصر القدوة. هذه المرة وفي أجواء ورشة البحرين، يتخذ النشر، في شكله الاستطلاعي ومضمونه، منحى آخر، سياقه العام محاولة وضع مقاربة لحوصلة التطورات الأخيرة ومعاينة ثمارها في المجتمع الفلسطيني، بعد عدة سنوات من العمل المؤثر سلبا على التوجه السياسي الفلسطيني الشعبي والرسمي، نحو هدفه القديم – الجديد، وهو الوصول إلى ما يُسمى “حل الدولتين” وتحقيق الاستقلال الوطني الفلسطيني.

وباعتبار “وول ستريت جورنال” معنية بالانعكاسات السياسية للمقاربات الاقتصادية، أو التي تتمثل حلولا اقتصادية مخادعة للقضايا السياسية الشائكة؛ فإن فكرة الحل الاقتصادي للقضية الفلسطينية، وهي فكرة إسرائيلية أساسا، ستصبح موضوعها الأثير، الذي تتقصى درجات نجاح تطبيقاته، على صعيد المجتمع الفلسطيني، إسهاما من “وول ستريت جورنال” في خدمة “الورشة” وخدمة الإدارة الأميركية في سياق انحيازها لإسرائيل أكثر مما تنحاز إسرائيل لنفسها.

تتعرض الصحيفة لمسألة منح الفلسطينيين الجنسية الإسرائيلية، في إطار دولة واحدة ثنائية القومية. وتتبدى خفة السؤال، من خلال تجاهل عناصر أساسية والقفز عليها، من بينها أن إسرائيل ترى في حل الدولة الواحدة، ليس أخطر وحسب، من التسوية التي تمنح الفلسطينيين بعض حقوقهم من خلال جلاء الاحتلال عن الأراضي المحتلة في العام 1967 وتأسيس دولتهم المستقلة. فحل “الدولة الواحدة” أخطر بالنسبة لإسرائيل، حتى من تمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم على أراضي خارطة التقسيم، بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181 الصادر بتاريخ 29 نوفمبر 1947.

ذلك بمعنى أن إسرائيل، أهون عليها أن تسلم للفلسطينيين بحق إقامة دولتهم على خارطة 1947 الأوسع بما يزيد ضعفين عن خارطة التسوية التي ترفضها؛ من أن تمنحهم فرصة الانضمام لإسرائيل كمواطنين. فهي لا تُخفي إصرارها على “يهودية الدولة” وحتى لو أنها حصلت على اعتراف فلسطيني بهذه الصفة لدولتها، فإنه من المستحيلات، حسب سياساتها الاجتماعية الداخلية، أن تعترف بحق المواطنة المتساوية، فما بالنا عندما يؤدي العامل الديموغرافي مفاعيله لصالح الفلسطينيين، بحكم عددهم، في دولة يُفترض أنها ديمقراطية. لذا فإن الإسرائيليين يرون في أطروحة الدولة الواحدة، التهديد الأخطر لمصيرها.

ثم إنها تعتمد في سياساتها الداخلية أسلوبا مفتضحا في عنصريته، قوامه التضييق على العنصر العربي (مسلم ومسيحي وحتى درزي) وحرمانه من حقوقه، ما جعل 20 بالمئة من سكان إسرائيل، ومعهم متعاطفون يهود، يرفعون شعار المطالبة بدولة لجميع مواطنيها. بل إن الأوساط الإسرائيلية الحاكمة اليوم، تعيب في أدبياتها على “القادة المؤسسين” أنهم تركوا بعض الفلسطينيين على أرضهم، ولم يؤدوا واجبهم العنفي لطردهم!

صدرت في السنوات الأخيرة بعض الأصوات الفلسطينية، من داخل السلطة والفصائل، تحدثت عما يُسمى “حل الدولة الواحدة ثنائية القومية”. ولعل تلك الأصوات، قد انطلقت من محض الرغبة في التشاطر، بديلا عن حال الإفلاس السياسي وفشل التسوية وعجز الممسكين بمقاليد الحكم الفلسطيني عن فهم البُعد الاجتماعي للعمل العام، وبالتالي فقدانهم ولاء الكتلة الشعبية بسبب ممارساتهم واستعلائهم في ترف عيشهم وضآلة مناقبهم وإخفاقهم حتى في الاستحواذ – بالكلام- على خطاب رصين، يؤشر إلى وجود نوايا لمشاركة شعبهم همومه ومشكلاته وتحسّس حاجاته واعتماد الحد الأدنى من التنمية وتكريس العدالة.

من هنا جاء الكلام الذي يشبه كلاما آخر عن أطروحة الدولة الواحدة. لكن صحيفة “وول ستريت جورنال” تعمدت التغاضي عن تعيين الفارق، بين الشعب الفلسطيني وأفراد مجموعة معزولة من المتعاونين – خوفا وطمعا وإثما- مع إسرائيل في الضفة، وهؤلاء لفظتهم عائلاتهم، فلجأوا إلى المتطرفين العنصريين في مستوطنات جنوبي الضفة، وتمثلوا أدوار ومستويات رجال الأعمال الذين ينضوون في غرفة تجارية لها تعاقداتها، وينادون بالحصول على الجنسية الإسرائيلية، مع تلميح بأمنية الحصول على الجنسية الإسرائيلية، ولو بشفاعة إعلانهم عن رفض قيام الدولة الفلسطينية!

على الجانب الآخر، كان واضحا أن إسرائيل، حرصت على عدم إدماج هؤلاء في الحالة الإسرائيلية، فظلّوا على وضعهم، المزري، يرهقهم دمجهم في الحال الاستيطانية، لاسيما وأن إسرائيل، في منهجيتها، تتعمد تأطير سكان المستوطنات، باعتبارهم جسما رديفا محاذيا، له مجالسه وسلطاته وتشريعاته شديدة التطرف!

وقد ارتدّتْ مطالبة تلك الحفنة بالاندماج مع إسرائيل، عكسا على الذين تشاطروا فتحدثوا عن حل الدولة الواحدة، في محاولة ساذجة لتخويفها إسرائيل بالعامل الديموغرافي، لكي تتجاوب مع حل الدولتين. لكن إسرائيل تراقب من يعيشون تحت احتلالها وتعرف دوافعهم.

هناك سؤالان في إطار مناقشة مسألة المصير الفلسطيني. الأول حول نظرة الفلسطينيين إلى القضية. جوابه ببساطة، لا جديد في نظرتهم وتصميمهم على الاستقلال وقيام الدولة. أما ترجمة هذا التطلع، فتتعلق بسياسات فلسطينية داخلية جديدة وديمقراطية، تُعيد للنخبة التي يفوضها الشعب، مشروعية تمثيلها له، على النحو الذي يضمن قدرة الفلسطينيين على الصمود، حتى ينقشع الضباب وتتعزز قوة تأثيرهم في المشهد، بوحدتهم وتماسكهم ومغادرتهم مربع البؤس في معيشتهم!

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com