هزة أوروبية مركزها النمسا.. روسية المنشأ

هزة أوروبية مركزها النمسا.. روسية المنشأ

عدلي صادق

حسب ما هو معلوم من طبائع اليمين العنصري، أنه يطرح نفسه في كل بلد، حارسا فضائل التفوق العرقي وحاميا تقاليد المجتمع، بينما هو في حقيقة سلوكه، مارق وفاسد، ومتربح على حساب المصالح العامة والنزاهة.

حدثت في النمسا “فضيحة إيبيزا” التي اهتزت لها أركان البلاد مع أركان جوارها، الألماني خاصة، وفجرها شريط مسرب التقطته كاميرا خفية لنائب مستشار البلاد، أي نائب رئيس وزرائها، يجالس سيدة أعمال روسية واسعة النفوذ و”المواهب” يعدها مخمورا بعظائم المنافع التي يمكن أن تجنيها من بلاده، وبدا أن المحرك الأساس من جانبه، إثراء حزبه لكي يتفشى مع الرغبة في المرأة نفسها التي تصرف معها كمراهق مثلما اعترف نفسه، وقد برر ذلك بوقوعه تحت تأثير كمية كبيرة من الكحول!

لم يكن من قبيل المصادفة، أن يرسل أحد كبار رجال الأعمال الروس، إحدى قريباته، إلى صاحب الفضيحة هاينز كريستيان شتراخة، الذي يتزعم حزب “الحرية” اليميني المتطرف، وهو مُصنّف كحزب متناغم مع النازيين الجدد. فقد كانت كلمة روسيا أو الروس، أكثر من كافية لكي يتشاءم النازي الجديد من المرأة الشقراء، مستذكرا ما حل بالنازي القديم على يد الروس في الحرب العالمية الثانية.

واللافت أن فضيحة الشريط، المسجل في فيلا في جزيرة أيبيزا الإسبانية قبل أشهر من انتخابات 2017 العامة في النمسا، قد عُرض قبل أسبوع واحد من انتخابات البرلمان الأوروبي، لكي يسري كالنار في الهشيم في كل أنحاء القارة. وكانت جلسة العنصري شتراخة مع الروسية، لمقايضة أشياء بأشياء، على أن تكون العلاقة الحميمة محض إضافة احتفالية عابرة: تُقدم السيدة الروسية للحزب النمساوي “الحريص جدا على النزاهة” كما يزعم، مساعدات مالية معتبرة، تصل إلى نحو مليار ونصف المليار يورو، من خلال تأسيس جمعيات نصب غير ربحية، تحت عناوين العمل الخيري، تستدر تبرعات من شركة تصنيع السلاح “غوستين غلوك” التي تدعم الحزب نفسه، ومن شخصيات المال والأعمال والصناعة

وسيتاح للمرأة الروسية في موازاة ذلك، الإمساك برقبة الصحيفة الأولى في النمسا “كرونين تسايتونغ” تحت عنوان الاستثمار، وأن تنشر بعد الاستحواذ عليها إعلانات لصالح الحزب اليميني الشعبوي، ذلك فضلا عن حصول الروس على رخص بناء كازينو وبيع فندق فخم وبناء طريق سريع بأموال مستثمرين روس. وقدمت المرأة الروسية نفسها على أنها أليونا ماكاروفا، من لاتفيا، وتحدثت عن استثمارات واعدة يتوق إليها “مستثمر روسي متعطش للعمل في فيينا” بقيمة 250 مليون يورو، وأكدت أن “المبلغ لا يمكن أن يودع في البنك لأنه في الواقع غير قانوني تماما” حسب ما روت مجلة ديرشبيغل الألمانية.

ولعل ما زاد الطين بلة، أن رحلة شتراخة إلى إسبانيا، لم تكن عبارة عن نزوة فرد أو تعكس وجهة شخص واحد يريد أن يحقق مشروعا خاصا. فقد رافقه في الرحلة أحد مساعديه المقربين، بل يده اليمنى وهو زعيم كتلة حزب “الحرية” في البرلمان النمساوي يوهان غودينوس، الذي ظهر في جزء من الشريط، أثناء اللحظة التي كانت تجري فيها المقايضة والعروض المتبادلة بين السيدة الروسية ونائب المستشار النمساوي.

ما إن انتشر الشريط حتى تجمع حشد من النمساويين في فيينا، يطالب بكشف كل الحقائق المتعلقة بخلفيات جلسة إيبيزا. وسرعان ما اضطر شتراخة إلى الاستقالة من منصبيه الحكومي والحزبي، مصرحا بأنه يريد حماية الائتلاف الوزاري اليميني، الذي يتشكل من حزبي “الشعب النمساوي” و”الحرية”. لكن الائتلاف هو الذي بدأ يدفع ثمن الفضيحة، إذ أعلن البرلمان النمساوي سحب الثقة من مستشار البلاد، سباستيان كورتز، للمرة الأولى في تاريخ النمسا. وكانت هناك مفارقة في التصويت بحجب الثقة قوامها أن نواب حزب “الحرية” نفسه، صوتوا مع الحزب “الاشتراكي الديمقراطي” لإطاحة شريك الحزب السابق، لأنه فور أن انتشرت الفضيحة، بادر إلى فصل وزراء حزب “الحرية” من الحكومة، ما دعا الزعيم الجديد لهذا الحزب، إلى شن هجمات فورية على سباستيان كورتز وحزب “الشعب”. وفي الحقيقة، كان الأخير يستجيب لنداءات الرأي العام النمساوي ونداءات ألمانية، بدأت بالمطالبة بإقالة وزير الداخلية، لعدم وجوب أن يجري التحقيق مع شتراخة، في ظل وزير للداخلية من حزبه!

وفي الحقيقة، جاءت تلك الفضيحة وارتداداتها، لتسلط الضوء من جديد، على خطر اليمين المتطرف الذي ينمو في القارة الأوروبية. فقد تراجع التركيز على خطر هذه القوى المتطرفة، مع تقدم التركيز على العنصر الإسلامي والمهاجرين والملونين في القارة. وكان أكثر وأسرع من تحسس خطر اليمين الأوروبي المتطرف الذي يمتهن الدجل السياسي ويزعم لنفسه الأصالة والغيرة على الأوطان وعلى التقاليد الحضارية، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي بدا أن الفضيحة النمساوية قد هزتها من الأعماق.

فقد أطلقت ميركل صرخة لكافة الشعوب الأوروبية، وكأنها تحذر من إفساح المجال لليمين المتطرف لأن يتبوأ سدة الحكم في أي بلد أوروبي. قالت “يجب عدم السماح لمثل هؤلاء بتولي أي مسؤولية في القارة”. وأضافت وهي تعمم المثال اليميني النمساوي الذي ينعكس فحوى سلوكه في شريط أيبيزا، على مجمل اليمين المتطرف في أوروبا “من الضروري الوقوف في وجه سياسيي اليمين المتطرف الذين يبيعون أنفسهم”. وكان بين الدعوات التحذيرية صرخة أخرى من أنيغريت كرامب- كارنباور، زعيمة الحزب الديمقراطي المسيحي الذي تنتمي إليه ميركل.

جاءت ضربة الفضيحة، في رأس المعسكر الأوروبي الذي يصف نفسه تيارا قوميا، بينما هو أحد أسباب الاضطراب في نبض أوروبا، ومنتج فوبيات التخويف من الآخر، ويؤسس لتضامن يميني في كافة أرجاء القارة، تكون له أصداؤه في آسيا وأفريقيا، ويشجع إسرائيل على سياساتها المجافية للقوانين الدولية ومبادئ حقوق الإنسان والقرارات الأممية. أما الشكوك الناشئة عن الفضيحة، أو ما يراها البعض استنتاجات، فهي تتعلق بالدور الروسي الخفي في أوروبا، الذي يعزز التوجهات اليمينية في بلدان القارة، ويُشتبه بأن دونالد ترامب كان خياره الأميركي، وذلك كله لمقاصد لا يعلمها إلا الله والراسخون في معرفة توجهات الكرملين!

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com