أكثر أمناً… مع البغدادي!

أكثر أمناً… مع البغدادي!

زهير قصيباتي

الإسبان أولاً… بدأوا العام 2015 قبل 24 ساعة من موعده، كأنهم يستعجلون الخلاص من سنة كئيبة، بسبب ضيق أحوالهم المعيشية، وخواء جيوبهم.

بالمقارنة، ماذا عسانا نقول، نحن العرب، مسلمين ومسيحيين؟

قبل رأس السنة، ودّعنا باراك أوباما، أو ودّع 2014 بفيتو على مشروع قرار فلسطيني، يحدد موعداً لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. هدية مسمومة وإن كانت الأسباب معروفة، على خطى كل رئيس أميركي، ديموقراطي أو جمهوري. الأدهى أن يسخر أوباما من عقول الجميع، وهو يعلن مع إنهاء المهمات الحربية للحلف الأطلسي في أفغانستان، أن العالم أصبح أكثر أمناً، والولايات المتحدة باتت آمنة.

سقطت سهواً من ذاكرة الرئيس الأميركي حملة التفجيرات التي تكثّفها حركة «طالبان» في قلب كابول، وسقطت بهفوة مذبحة التلاميذ في بيشاور، وباتت حرب «داعش» على المسلمين والمسيحيين والإيزيديين، حدثاً يومياً عابراً في العراق وسورية، لا يستحق الذكر لدى أوباما… فطائرات التحالف تؤدي مهمتها في تعقّب الأجيال الجديدة من «القاعدة»، وكفى.

العالم «أكثر أمناً»، والدليل القتل اليومي في أفغانستان وباكستان، واليمن وسورية والعراق وليبيا… والدليل مسلسل الإبادات للسوريين الذي تعتبره موسكو بكل راحة بال، مجرد «أزمة»، وتكتفي واشنطن بكلام بائس للتنديد به.

ينام العربي على وسائد الاستقرار والهناء، لأن لديه فرص العمل والحريات والرخاء، والحق في محاسبة المسؤولين والمفسدين، ومحاكمة المافيات واستبدال الحاكم، ومساءلة الأحزاب ورجال الدين الذين يركبون موجات التطرف لانتزاع مكاسب، ولو بتضليل المتدينين والمتحزّبين.

لا يفكر العربي في ركوب قوارب الموت للهجرة، فالرغيف رفاهية، والأمن في أبهى عصوره… مجرد براميل متفجّرة لتأديب «حاضنات» المعارضين والثوار، من حين إلى آخر، وسيارات مفخخة وقنص وقذائف مدفعية على المنازل… ملايين النازحين من سورية، مئات الألوف هُجِّروا في العراق.

لا صراعات طائفية ولا مذهبية ولا عشائرية، كل الجمهوريات العربية تتسابق على صناديق الاقتراع، لتداول السلطة، والاحتكام إلى الحوار وحرية القرار، لا البطش والإقصاء وسلاح الخراب الشامل.

لماذا «داعش» إذاً؟ نجم 2014 لم يأتِ من كوكب آخر، سيأتي مَنْ يصنّف الأمة بأنها فاشلة، ارتكزت ردحاً مديداً على إنتاج الكلام، واستهلاك المؤامرات والانقلابات، وبعدها اقتسام الدولة مغانم وحصصاً… حكومات راهنت طويلاً على تهجير الشباب للتخلص من عبء إنتاج فرص العمل والإبداع.

وبين مرحلتي تكفير الشباب وتضليلهم، عقود من الزمن هي الفارق بين السلطة المستبدّة ودولة «الخلافة» المُخادِعة. في كلتا المرحلتين، وقود المعركة والحرب هو جيل الإنتاج والإبداع الذي يدفع الثمن باهظاً.

العالم أكثر أمناً؟… من بنغازي إلى طبرق ودرنة، ومن حلب إلى درعا وعين العرب، وصنعاء وعدن وإب، ومن الموصل إلى الأنبار وكربلاء، لا يرفّ لأوباما جفن، هو يشمئز فقط، و «إيبولا» داعش لم يضرب في الولايات المتحدة. على العرب أن يقتلعوا أشواكهم بأيديهم، وما على واشنطن سوى أن تقبض فاتورة التسليح والتدريب.

نودّع 2014 بفائض الأمن من المشرق إلى المغرب، ومشاهد الخراب من اليمن السعيد إلى «قلب العروبة النابض»، باتت مجرد صُوَر عابرة. أما أولئك السوريون الذين أصبحوا لاجئين في الأوروغواي، فإنما يذهبون للسياحة في وقت ضائع، بعدما سئموا فائض الاستقرار والرفاه في بلادهم. في مشهد آخر من العام المنصرم بكل سواده، يتبرّع أوباما بنفقات رحلة للعرب، من غوانتانامو إلى كازاخستان… مكافأة لصبرهم على اعتقالهم 11 سنة من دون تهمة ولا محاكمة.

في مشهد ثالث لنعيم العرب، يضرب إيبولا الفساد لبنان، يتطوّع مَن في السلطة لحماية اللبنانيين في مرحلة ضياع جمهوريتهم… الفساد لم يستثنِ الماء والرغيف، بعد العقول، المافيات غول أخطر من الحروب الأهلية، جيش بلا جنسية.

آفة ليست حكراً على اللبنانيين، في بلد ضاعت حدوده أيضاً بين ضربات الحرب السورية وعواصف اللجوء، وأنواء الرياح المذهبية.

لروسيا مثلاً حصة، مع فسادٍ ضخّم ثروات خيالية، قبل فرض العقوبات الغربية. وفي أميركا يفتخر سيناتور سابق (الديموقراطي مايك غرافل) بإعلان خططه لترؤس شركة تسوّق الحشيشة، لأسباب طبية و «ترفيهية».

2014 هو عام أبو بكر البغدادي وأوباما وفلاديمير بوتين وخامنئي. كلهم «مرشد» على طريقته، أوباما يغازل طهران، وخامنئي يغازل واشنطن، كلاهما يستفز العرب ومصالحهم، وجاهز لإقصائها منذ سنوات.

الرئيس الأميركي يتفهّم إيران أكثر، العرب منهمكون يتجرعون كأس «داعش»، وضجيج الحروب يحجب دبيب النظام الإقليمي- الإيراني الذي ما زال بلا شهادة ميلاد رسمية.

(الحياة)

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة