عام 2014: غياب القيادة العالمية

عام 2014: غياب القيادة العالمية
خلف أحمد الحبتور

هل يكتسب الإرهابيون احتراماً على الساحة الدولية؟ قد يبدو السؤال سخيفاً لكن للأسف هذا ما نقوم به الآن. فقبل بضعة أيام، فيما كنت أشاهد قناة إخبارية معروفة، صُعِقت لدى قراءة الخبر الآتي في الشريط الإخباري: «أمين عام الأمم المتحدة يناشد عناصر داعش الذين أسروا الطيّار الأردني الذي أُسقِطت طائرته الحربية في سوريا، معاملته بموجب القانون الإنساني الدولي».

بالله عليكم، كيف يفكّر بان كي مون الذي يتحدّث باسم منظمة تمثّل 193 دولة؟ هل يتوقّع حقاً أن يلتزم المفجِّرون وممارسو التعذيب والمغتصبون الذين يقطعون الرؤوس ويبيعون النساء في سوق النخاسة، باتفاقيات جنيف أو بالقانون الإنساني الدولي؟ علاوةً على ذلك، فإن الاقتراح في ذاته يمنح تلك المخلوقات و«خلافتهم» اعترافاً دولياً. ما الذي حلّ بعالمنا؟

لا مفر من الإقرار بالأمر، كان عام 2014 عاماً جيداً للإرهابيين. لماذا؟ لأن الولايات المتحدة، شرطي العالم سابقاً، وحلفاءها التقليديين لم ينجحوا في أداء مهامهم.

لقد فشل الرئيس أوباما، القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية، في جهوده الهادفة إلى القضاء على تنظيم «داعش» في العراق وسوريا، على الرغم من أن التنظيم يشكّل تهديداً لعدد كبير من الدول الإقليمية فضلاً عن المصالح الأميركية.

وهذا العجز لا يمنح فقط زخماً لزمرة القتلة، بل يساعدها على استقطاب مزيد من المجنّدين. وفقاً للخبير الأمني المقيم في بغداد، هشام الهاشمي، ارتفع عديد عناصر «داعش» إلى مئة ألف، في حين أنه كان يُقدَّر قبل عام واحد بـ15000 إلى 20000 مقاتل فقط.

يتفق كل الخبراء الاستراتيجيين العسكريين تقريباً، ومنهم رئيس هيئة الأركان الأميركية، الجنرال مارتن ديمبسي، ووزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس، على أن الاكتفاء بالقصف الجوي لن يؤدّي إلى القضاء على التنظيم.

قال السيناتور ليندسي غراهام لمحطة «سي ان ان»: في رأيي من المستحيل تسوية المشكلة في العراق وسوريا من دون إرسال قوات برية أميركية. يقع على عاتق القائد الأعلى للقوات المسلحة حماية البلاد.

في غضون ذلك، وبدلاً من أن يختبئ إرهابيو «داعش» في أوكار الجرذان هرباً من الجبروت الأميركي، يعملون على بناء مؤسساتهم وتنفيذ برامج اجتماعية، كما يقول المراسل الألماني يورغن تودنهوفر الذي تمكّن من دخول الأراضي الخاضعة لسيطرة التنظيم في شمال العراق – ومن حسن حظه أنه عاد إلى دياره ورأسه لا يزال على عنقه.

وقد قال لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» إنه لدى المقاتلين «حماسة لا تُصدَّق وإحساس بالنصر»، مضيفاً أنه رأى المئات يتدفقون يومياً من مختلف أنحاء العالم للانضمام إليهم.

ولفت إلى أنهم يتباهون برغبتهم في قتل الملايين، معتبراً أن تنظيم «القاعدة» ليس بشيء بالمقارنة معهم. وفي كلام لافت، يقول إن «العرب وحدهم قادرون على وقف تنظيم داعش، البلدان الغربية لن تردع أبداً داعش». لا أتفق معه بالضرورة في هذه النقطة.

لو أظهر الغرب عزماً وتصميماً، لما تمكّن تنظيم «داعش» من الصمود ولم تكن كتب التاريخ لتأتي على ذكره. لقد أطاحت الائتلافات التي قادتها الولايات المتحدة بصدام حسين، ومعمر القذافي، وحركة «طالبان»، والعديد من الأنظمة في أميركا اللاتينية.

لكن تودنهوفر محق في ناحية معينة. يتعرّض العرب للتهديد الأكبر في تاريخهم. ثمة سيف مسلط فوق رؤوسنا جميعاً. بيد أن معظم البلدان العربية تشيح بنظرها عن هذا الخطر. لقد جنّد عدد قليل من هذه الدول قواته الجوية لمواجهة هذا التهديد، لكنه لا يستطيع إنجاز المهمة بمفرده.

لو يرصّ العالم العربي صفوفه لتشارُك أجهزة الاستخبارات، وإمكانات المراقبة، والمعدات العسكرية، وسلاح الجو، والجيوش، لأبيدت «داعش» عن بكرة أبيها في غضون أشهر.

فيما تنهار منطقتنا مثل منزل من ورق بسبب التنظيمات الإرهابية، على غرار «داعش» و«القاعدة» و«جبهة النصرة» في سوريا والعراق، والمتمردين الحوثيين الشيعة في اليمن، و«أنصار بيت المقدس» في شبه جزيرة سيناء المصرية، و«أنصار الشريعة» في ليبيا – وكلها أوجه مختلفة للعملة نفسها – لا بد من طرح عدد من الأسئلة.

أولاً، لماذا يستمر الحصار الذي تفرضه «داعش» على 350 قرية في بالقرب من بلدة كوباني السورية على الحدود مع تركيا؟ من الواضح أن الضربات الجوية للتحالف لم تحقّق شيئاً يُذكَر في أكثر من ثلاثة أشهر.

ثانياً، بما أن العالم بأسره يُدرك أن الإرهابيين يمرّون عبر تركيا، لماذا لا يُطلَب من الرئيس رجب طيب أردوغان أن يُقدّم تفسيرات؟ الأسبوع الماضي، أقر يشار ياكش، وزير خارجية تركيا سابقاً الذي شارك في تأسيس «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، بأن تنظيم داعش «استفاد من التسامح التركي في تسيير أنشطته».

ومع أنه نفى الاتهامات بأن بلاده «قدّمت المساعدة عمداً» لتنظيمَي القاعدة وداعش، ردّ بالإيجاب لدى سؤاله إذا كان عناصر «داعش» قد تنزّهوا في اسطنبول، لكنه أردف: «هذا ليس سوى قمة جبل الجليد للناظر من الوهلة الأولى».

ثالثاً، كيف تشكَّل تنظيم «داعش في العراق والشام» الذي تحوّل الآن إلى تنظيم «داعش»؟ من أين يأتي بالسلاح والتمويل؟ أي بلدان تشتري نفطه المسروق؟ ولماذا لا تُفرَض عقوبات دولية على تلك الدول؟

أخيراً، هل نصدّق حقاً أن الدول الأكثر تقدّماً على المستوى العسكري التي تملك الإمكانات الأكثر تطوراً في مجالَي المراقبة والاستخبارات، عاجزة عن كبح انتشار الإرهاب في الشرق الأوسط أو تحرير الأراضي، حيث يستغيث المواطنون طلباً للنجدة من سيطرة الإرهابيين؟

لم ينجح الرئيس أوباما بتخليص أولئك الضحايا من الذئاب تماماً كما فشل من قبل بتخليص السوريين وتركهم تحت رحمة واحد من أكثر الديكتاتوريين همجية في تاريخ العالم لينهال عليهم بالصواريخ والهجمات الكيميائية ويزجّهم في السجون.

وكذلك، لم يتمكن من الحؤول دون خضوع اليمن للسيطرة الإيرانية منذ اجتاح المتمردون الحوثيون العاصمة في سبتمبر الماضي وفرضوا شروطهم على الحكومة اليمنية. لقد تحوّل اليمن مرتعاً للإرهابيين. حتى إن الوقاحة بلغت بتنظيم «القاعدة» في اليمن حد إصدار مجلة عن «الجهاد ضد أميركا» تتضمّن إرشادات حول كيفية تفجير الطائرات التجارية.

من يجب أن يتحمّل مسؤولية كل هذه الفوضى التي تحيط بنا؟ لست في موقع يخوّلني أن أحدد بدقة على من تقع المسؤولية لأنني لست قادراً على الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية. لكن هذه الأسئلة مشروعة وتستحق الإجابة عنها.

باختصار، سوف يذكر التاريخ أن عام 2014 كان محفوفاً بالمخاطر في عالم يفتقر إلى قيادة حازمة وجديّة. لم يُظهر أي قائد خصالاً بطولية، ولم يتحلَّ أي قائد بالشجاعة لفرض قناعاته. لقد كان معظم القادة مخيّبين للآمال. إذا لم تقع معجزة ما ويستعيدوا رشدهم، ليس أمامنا سوى أن نثق برحمة الله عزّ وجلّ. ندعو الله سبحانه وتعالى أن يكون عام 2015 عاماً أفضل وأن يمنّ علينا فيه بالأمن والأمان.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com