جولات الحرب في غزة: لاعبون وخاسرون

جولات الحرب في غزة: لاعبون وخاسرون

عدلي صادق

كما في جميع الجولات الأخيرة من القصف المتبادل وغير المتكافئ، بين إسرائيل والمقاومة في غرة، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو المبادر إلى الاعتداء، بدءا من تعمده جر الطرف الفلسطيني إلى الاحتجاج بالنيران على عدم الوفاء بالتسهيلات التي تم إقرارها في تفاهمات سابقة، وصولا إلى شن الهجمات الجوية والبرية والبحرية على غزة. فقد باتت معادلة التسهيلات، تشكل سبب كل جولة، وفي هذا السياق ظل اللاعبون المتدخلون هم أنفسهم: مصر تتوسط لوقف النار وإعادة التأكيد على ما جرى التأكيد عليه من تسهيلات متواضعة، وقطر تظهر لتأدية دورها الإغاثي بعد كل نكبة، وتُبرق لتؤكد أنها جاهزة للصرف.

حركة حماس، بدورها، أصبحت ترى النصر في غوث الأرض قبل غيث السماء: منحة قطرية تتجدد، ويسهل وصولها مع التأكيد على أن الدوحة ستتكفل بكلفة ترميم “خط 161” الكهربائي الإسرائيلي لكي يمد غزة بكهرباء لا تنقطع فتبهج قلوب السكان طوال الــ24 ساعة من كل يوم، حسب منطوق الوعود.

نلاحظ هنا أن كلا من اللاعبين، مضطر إلى دوره، إما لكي يستعيد وظيفته الإقليمية ويظل ممسكا بناصية الحفاظ على أمنه القومي كما هو الحال بالنسبة لمصر، وإما لكي يظل يتبدى في ناظر الفلسطينيين وسائر المسلمين- على ما لقضيتهم من أهمية لدى الأمة الإسلامية- باعتباره صاحب المروءة الأولى، وإن كان تدبير سياقات هذه المروءة المفتعلة، يجري بالتنسيق مع تل أبيب.

أما نتنياهو، فإنه في جولات الحرب الإجرامية، بالقصف، التي يأمر بشنها على غزة، يناور لكي ينجو سياسيا وفي المرة الأخيرة تحديداً، أراد شيئا وحصل على عكسه، عندما أمر بالقصف المكثف، لكي يسترضي الأحزاب الصغيرة الأشد تطرفا، لتأتلف مع الليكود في الحكومة الجديدة، وفي الوقت نفسه تعمد نتنياهو إظهار استعداده لتلبية مطلب قديم لأفيغدور ليبرمان، وهو قصف لا يتوقف على غزة حتى تدميرها. فهو يتطلع إلى حكومة تستند إلى قاعدة برلمانية مريحة، تضمن له الحصانة ضد القضاء، والإفلات من المساءلة القضائية في قضايا الفساد!

أما حماس، فقد أصبح هدفها الذي أعطته الأولوية على أي هدف سواه، هو ألاّ ينفجر المجتمع في وجهها أو حتى في وجه عباس لكي لا تصيبها شظايا. فهي على هذا المستوى، تواجه مأزقا، بحكم أن عناصر الانفجار الاجتماعي موجودة وتتفاقم، وهي السبب الأول للبؤس، بل إن الأسباب العباسية لبؤس غزة، مشتقة من سببها، على اعتبار أن انقضاضها على السلطة، كان انقضاضا على المؤسسات الدستورية الضامنة للتوازن في السياسة الاجتماعية، وفي الوقت نفسه كان هدية لمحمود عباس لا تُقدر بثمن، جعلته يفصح مرتاحا عن كل دواخل نفسه حيال الناس والرفاق والمؤسسات والمنهجية الأمنية والقضية نفسها، فلا يُسائله أحد عن مال ولا عن بنين، حتى أصبح غير مستعد لأن يمنح الإذن لشاشة التلفزة التابعة له، بأن تبث من غزة أو عن غزة وهي تتعرض للقصف، أو حتى أن تعرض مادة أرشيفية تراعي أن غزة تُقصف والناس فيها يواجهون الموت!

وبخصوص أهداف حماس القديمة، التي كانت تعلل بها دوافع الإمساك بالسلطة في غزة ومعارضتها لعملية التسوية من حيث المبدأ، فقد باتت غير قابلة للصرف إن لم تكن مثيرة للسخرية، وهذا هو الذي يجعل “حرب التسهيلات” مفيدة بالنسبة لها، بسبب فعاليات المقاومة حين تقصف جوابا على نيران المعتدين. غير أن الأمر، بعد كل جولة من القصف، ينتهي أساسا وقبل كل شيء، بمنحة قطرية ومد نطاق حركة الصيادين وإدخال الوقود والبضائع من إسرائيل، مع وعود بكهرباء إسرائيلية أيضا يحملها إلى غزة الخط 161، فترى حماس في هذه المباهج سببا لتخفيف الاحتقان الاجتماعي.

غير أن المؤسف هو استمرار تجاهل الخاسرين في كل جولة من القصف: الأُسر التي فقدت أبناءها وأطفالها، والمواطنين الذين دُمّرت عمائرهم ومنازلهم وكلها بنيت من شقاء أعمارهم وأعمار أبائهم. وهؤلاء المواطنون أنفسهم معرضون للقمع إن طالبوا بالحريات. إن الحروب في العادة، تثير الأسئلة بعد أن تسكت المدافع، وقد بات السؤال الأبرز الآن، هو ما الذي تريده حماس ويريده عباس؟

الإسرائيليون المعارضون للأوساط الصهيونية المتطرفة، هم وحدهم الذين يطرحون أسئلة المصير، ويتيح النظام الإسرائيلي طرحها لمن يشاء. ليت النخب الفلسطينية تقتدي بهم.

لقد كتب عودة بشارات، العربي، في عدد الأحد من صحيفة “هآرتس” ما يشبه سيناريو نقاش فقال: معظم الإسرائيليين سيسألون ما هو السيء في الوضع الراهن. هم هناك ونحن هنا. هم ينسون أن “هناك” لم يُخلق إلا على يد هؤلاء الموجودين هنا. فهناك يوجد المحاصرون من البحر والجو والبر، مع وجبة سعرات حرارية تحافظ على البقاء على قيد الحياة. معظم الإسرائيليين يرون في الوضع الراهن بين غزة وإسرائيل نوعا من معطى إلهي، وكل محاولة للاعتراض عليه تشبه الكفر. في الإعلام الإسرائيلي الأمر معروض كدليل دامغ على العدوان العربي. هل هناك دولة في العالم توافق على أن يكون سكانها تحت وابل الصواريخ؟

ويستطرد بشارات صاحب السؤال مجيبا: أجل، سؤال مهم، لكن ليس أقل جدارة منه أن نسأل: هل توجد دولة أخرى في العالم تفرض حصارا شاملا على جارتها وتفصل سكانها عن باقي أبناء شعبهم؟ هل يوجد شعب في العالم تحول خلال سبعين سنة إلى 7 ـ 8 جزر تفصل بينها حدود وشعوب، في الضفة وغزة وفي إسرائيل وفي الأردن وفي سوريا وفي لبنان؟ إنهم، بالطبع، لا يسألون هذه الأسئلة، هم فقط يقولون لقد خرجنا من غزة، ماذا تريدون أكثر من ذلك؟ في الحقيقة، شكرا على هذه الهدية الجميلة؛ هذه الهدية تشبه جهاز آيفون جميل يعطيه أب جيد لابنه، لكن الهدية يحفظها في الخزينة. غزة قطعة حلوى- بحر جميل، شاطئ رائع، سكان يعتبرون ملح الأرض، شجعان ومجتهدون- لكنهم يعيشون في واقع غير محتمل!

هل تطرح النخب الفلسطينية على نفسها أسئلة المصير، وأن تعطي الأولوية لأسئلة الحيارى والخاسرين؟ هل يصارح عباس وتصارح حماس الفلسطينيين بنوعية المجد الذي يتوخاه كل منهما عن طريق الانقسام والعناد في الخصومة؟

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com