الثعلب التركي و«داعش»

الثعلب التركي و«داعش»
عثمان ميرغني

في تصريح من تصريحاته التي توصف بالهفوات لما تثيره من حرج للبيت الأبيض، اتهم جو بايدن نائب الرئيس الأميركي تركيا بدعم نشوء «داعش». وعلى الرغم مما أثير من لغط حول ما إذا كان بايدن قد اعتذر للرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أم أنه قدم توضيحا فقط، فإن الأمر الثابت أن بايدن قال في خطاب مسجل ألقاه في جامعة هارفارد إن الرئيس التركي اعترف له في حديث بينهما بأن تركيا دعمت خطأ في بداية الحرب السورية المقاتلين الأجانب بمن فيهم مقاتلو «داعش»، وأنها ضخت ملايين الدولارات وأطنانا من السلاح لكل من حارب لإسقاط النظام السوري، وأن قسما من تلك المساعدات وصل إلى «داعش» وإلى المجموعات المرتبطة بـ«القاعدة».

منذ أزمة تلك التصريحات، حصلت لقاءات كثيرة بين الجانبين الأميركي والتركي في إطار الضغوط الأميركية على أنقرة للانضمام إلى جهود التحالف الدولي لتدمير «داعش». ورغم الإعلان عن اتفاقات بين الطرفين ومن بينها اتفاق الشهر الماضي على تدريب ألفي مقاتل من الجيش السوري الحر في الأراضي التركية، فإن التباين في المواقف وفي الاستراتيجيات بقي واضحا. فتركيا إردوغان لا تخفي كرهها لنظام الأسد ورغبتها في إطاحته، ولديها أمل غير معلن في رؤية نظام إخواني مكانه، لكنها في كل الأحوال لا تريد للأكراد أن يستفيدوا من الأزمة بإقامة مناطق كردية ذات حكم ذاتي، ناهيك عن رؤية حلم دولة كردية يكبر.

من هنا فإن تركيا تنظر بقلق وشك إلى الاستراتيجية الغربية في محاربة «داعش» التي تعتمد بشكل كبير على تقوية قوات البيشمركة العراقية ومدها بالأسلحة المتطورة. لذلك تمنعت أنقرة وتلكأت في المشاركة في عمليات التحالف الدولي ضد «داعش»، وطالبت بإقامة منطقة عازلة على الحدود. ولأن الدول الغربية لم تبد حماسا لهذا المطلب، فإن تركيا ربما رأت في وجود «داعش» على الأرض قريبا من الحدود عازلا في وجه الأكراد. وهناك دوائر غربية لا سيما في واشنطن باتت ترى أن أنقرة تستفيد في الواقع من جعل «داعش» والأراضي التي يسيطر عليها «شوكة» في خاصرة قوات الأسد من جهة، وفي خاصرة الأكراد من جهة أخرى.

تركيا إردوغان حتى وإن نفت رسميا مساعدتها في نشوء «داعش»، إلا أنها دعمت التنظيم بطرق غير مباشرة. فالواضح أنها أغمضت عينيها عن تحرك التنظيم قرب حدودها، كما أنها أصبحت معبرا لمقاتليه والراغبين في الانضمام إليه. وقد احتجت دول غربية بشدة على أنقرة وطالبتها بمنع عبور المقاتلين الذين يلتحقون بـ«داعش» ومن بينهم عدد كبير من المواطنين الغربيين. إلا أن أنقرة كانت ترد بأن الغرب لا يزودها بمعلومات أمنية عمن يريد وقفهم، وتتهمه بالتقصير أيضا في منع مواطنيه من المغادرة إذا كانت وجهتهم هي دولة «داعش». هناك أيضا جدل واسع حول كيفية وصول النفط المهرب من المناطق التي يسيطر عليها «داعش» إلى الأسواق عبر الأراضي التركية، وهو نفط يقول الخبراء إنه يدر على «الدولة الإسلامية» المزعومة أكثر من مليون دولار يوميا تأخذ تركيا نصيبها منه بالمصادرة و«الغرامات» على المهربين.

أنقرة لديها خطوط اتصال مع «داعش» اتضحت عقب المفاوضات التي أدت لإطلاق سراح المواطنين الأتراك الذين كانوا محتجزين لدى التنظيم. فقد تحدثت دوائر غربية عن «صفقة» أدت لإطلاق الرهائن الأتراك وقامت أنقرة بمقتضاها بإطلاق سراح نحو مائة معتقل لديها يشتبه في ارتباطهم بـ«داعش» أو بمحاولتهم الالتحاق بها، ومن بينهم عدد من المواطنين الغربيين. وتسرب وقتها أن بعض الدول الغربية، من بينها بريطانيا والنرويج، شعرت بغضب شديد لأن من بين من أطلقت تركيا سراحهم في تلك «الصفقة» مواطنين غربيين كانت بلدانهم تريد من أنقرة تسليمهم لها.

هناك اتهامات أيضا لحكومة إردوغان بأنها تحاول استغلال حرب التحالف الدولي على «داعش» والإرهاب، لتصعيد الغارات التركية على مواقع حزب العمال الكردستاني ولمطالبة الغرب بالوقوف إلى جانبها ما دام أنه يصنف هذا التنظيم الكردي المسلح منظمة إرهابية. التباين في المواقف بين الغرب وأنقرة في هذا الجانب اتضح عندما تلكأت تركيا طويلا في السماح للمقاتلين الأكراد بالعبور لمساعدة بلدة كوباني التي كان مقاتلو «داعش» يزحفون عليها. ولأن تركيا لا تريد دعم الغرب للقوات الكردية السورية التي تراها قريبة من حزب العمال الكردستاني، فإنها اختارت السماح لقوات البيشمركة العراقية بالدخول إلى كوباني. فهي ترى أنها تستطيع التفاهم مع مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان، وتفضل قوات البيشمركة في كوباني بدلا من حصول أكراد سوريا على أسلحة من الغرب.

الغرب قد يكون غاضبا من سياسات إردوغان، لكنه يحاول احتواءه بأي شكل لأنه يدرك أنه لا يستطيع الاستغناء عن الثعلب التركي في المواجهة مع «داعش».

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com