إنها لإنسان!

إنها لإنسان!

سليمان جودة

كثيرون بيننا لا يعرفون أين تقع سريلانكا على الخريطة، ولكنهم حزنوا لمئات القتلى والمصابين الذين سقطوا على أرضها ضحايا لثمانى عمليات إرهابية متزامنة، ضربت مواقع متفرقة فى عاصمة البلاد!

وقد عبّر الرئيس عن هذا الحزن الإنسانى أصدق تعبير، عندما قال فى بيان الرئاسة الصادر بعد وقوع العمليات مباشرةً: «إن إرهاب هذا العصر سوف يظل يمثل جرحاً غائراً في ضمير البشرية، وإنه لايزال مرةً بعد مرة، يستخف بالروح الإنسانية!».

والمعنى فى كلمات البيان الحزينة أن ما أصاب ضحايا العمليات الثماني قد أصاب الإنسان هناك فى إنسانيته المجردة، قبل أن يصيب ديانته، أو لونه، أو جنسيته، لأن الذين ضربوا عدداً من الكنائس والفنادق السريلانكية، في توقيت واحد، لا يعرفون بالتأكيد أحداً من ضحاياهم في أي كنيسة ولا في أي فندق في العاصمة السريلانكية كولمبو، ولا يفرقون بين واحد منهم وبين آخر.. إنه ضرب عشوائي لا يميز ولا يمشي على هدى شيء!

ولا أجد تعبيراً أميناً عن احترام الإنسان، من حيث هو إنسان، كما أجده فى القصة التي رووها عن النبي، عليه الصلاة والسلام، حين كان جالساً مع أصحابه ذات يوم فوقف من تلقاء نفسه، في اللحظة التى مرت فيها من أمامه جنازة لم يكن يعرف صاحبها! إن الشعور الإنسانى الخالص هو الذى حكم تصرف الرسول الكريم، بمجرد أن رأى الجنازة تمر من أمامه، فأراد أن يعطي درساً فى المعاني الإنسانية العالية، ليس فقط لصحابته الذين كانوا جالسين معه فى تلك اللحظة، وإنما لنا من بعدهم إلى يوم القيامة!

وبقية الرواية تقول إن صحابياً من بين الجالسين همس فى أُذن رسول الإسلام، بما معناه أن الجنازة هي ليهودي، وبما معناه أيضاً أنها لا تستحق وقوفاً لصاحبها الذي فارق الدنيا.. وكأن لسان حال الصحابي كان يقول إن الجنازة إذا كانت لمسلم فالوقوف لها واجب.. أما غير المسلم فلا! ولم يشأ النبي أن يجعل الموقف يمر دون أن يكشف عن المعنى الباقي فيه، فقال عبارة من كلمتين لخصت الموضوع كله.. قال: إنها لإنسان!

وهذا بالضبط هو المعنى الذي يغيب عن كل عمليات الإرهاب التي تضرب العالم في كل مكان، فالذين ضربوا فنادق وكنائس سريلانكا لم يروا في ضحاياهم هذا المعنى، ولو رأوه لكانوا قد توقفوا للحظة ثم راجعوا أنفسهم، لأن كل واحد كان في الكنيسة وقت العملية هو إنسان، قبل أن تكون جنسيته كذا، أو تكون ديانته كذا، وكذلك كل نزيل شاء له حظه أن يكون في الفنادق التي ضربتها العمليات!

أى بنى آدم يقع ضحية لأي عملية إرهابية فى أي مكان هو إنسان، والله تعالى سوف يحاسب قاتله على هذا الأساس قبل غيره.. سوف يحاسبه لأنه قتل إنساناً.. وكفى!

المصري اليوم

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com