مشكلات الهوية ومصائر الحضارة

مشكلات الهوية ومصائر الحضارة

رضوان السيد

ما كدنا نفرغ من قراءة كتاب فرنسيس فوكوياما عن «الهوية» (2018) باعتبارها مظهراً من مظاهر التأزم في ثقافات العالم المعاصر، حتى ظهر كتاب الكاتب الفرنسي اللبناني الأصل أمين معلوف عن «سقوط الحضارة». فوكوياما، وهو كاتبٌ سياسيٌّ واستراتيجي، ينصرف لدراسة المشكلة أسباباً ونتائج ليحاول اقتراح حلولٍ لها في الغرب. وفي نظره أنّ الهجرة هي بين مثيرات المشكلة لكنها ليست كل شيء فيها. وبالنسبة للولايات المتحدة فإنّ مشكلات الهجرة المعنيُّ بها الهجرة من المكسيك. وهو يقدِّرُ عدد المهاجرين غير الشرعيين بما يقارب الأحد عشر مليوناً، معظمهم موجودون في الولايات المتحدة من أكثر من عشر سنوات. ومعظم الأميركيين يميلون لأمرين: تسوية مشكلة من دخلوا الولايات المتحدة بالفعل، وتشديد قوانين الهجرة، بحيث لا تتراكم المشكلة أو تتفاقم من جديد. لكنّ قلةً قويةً في الولايات المتحدة ترفض هذا الحلّ، وهذه القلة تلقّت دفعةَ تأييدٍ من كلام وإجراءات الرئيس ترامب، مع أنّ الجدال قائم قبله.

هل ظهرت مشكلة الهوية في أوروبا والولايات المتحدة بسبب الهجرة؟ يرى فوكوياما أنّ المسألة مسألة وعي أكثر منها مسألة واقع. بمعنى أنّ تجمعات اليمين الرافضة للهجرة تملك أجندةً طويلةً أحد بنودها الهجرة. إنه إحساسٌ لدى فئات العامة والفئات الاجتماعية الصغرى بأنّ العولمة الجارفة نحّت خصوصيات الناس. وفيما كانت المسيحية الوسيطة في أوروبا شديدة الضيق بالآخر، بل وانقسمت على نفسها في ديانتين كبيرتين، تبدو اليوم أكثر رحابةً بكثير. ووجهة نظره أنه ربما يعود ذلك إلى أنّ نظام العالم صنعته أوروبا وأفادت منه في راحتها المادية والثقافية، بينما المسلمون على العكس من ذلك؛ فقدوا الميزات التي تمتع بها أسلافهم، وصاروا متسولين على أبواب العالم المتقدم.

وأمين معلوف عربي أصيل، لذلك يعود في كتابه الأخير عن «سقوط الحضارة» إلى الموضوع العربي أيضاً. والده لبناني كان مستقراً في مصر، لذلك فوالدته مسيحية مصرية. ولأنه كان تاجراً متمولاً، فقد تأثرت أحواله بتأميمات جمال عبد الناصر، فعاد مثل كثيرين إلى لبنان أواخر الخمسينيات. وبالطبع ما كان يهوى عبد الناصر، وصار يمينياً مسيحياً بعكس ابنه أمين الذي نشأ يسارياً وأحبّ جمال عبد الناصر وعروبته، ثم انتمى للمقاومة الفلسطينية، مثل سائر شبان اليسار، إلى أن كسرت ذلك كله هزيمة 1967. إنّ التفكك الذي يحدث في الاتحاد الأوروبي (وبخاصةٍ البريكسِت البريطاني) لا علاقة مباشرةً له بالهجرة (في بريطانيا بالذات) رغم كثرة الحديث عنها. الاتحاد الأوروبي يوزّع على أعضائه ميزات لا حصر لها، ومع ذلك فالإجماع الوحيد داخل الاتحاد اليوم هو ضرورة الانفصال، فالهوية وعيٌ ظهر وما عاد يمكن ردُّه بأي وسيلة. وقد تفاقمت الشعبويات، والطريف أنها ناشرةٌ للكراهية تجاه الآخر (وهو المسلم الآن)، لكنّ الانفصال المُراد هو عن دولٍ أوروبيةٍ أُخرى وليس عن المطلب التركي السابق بالانضمام للاتحاد الأوروبي مثلاً. إنه تأزمٌ صنعته الشعبويات، ومنها الشعبوية الترامبية، لكنْ مَنْ صنع الشعبويات؟ هذا الأمر الظاهر في العالم الغربي كله وفي الهند وأماكن أُخرى كثيرة يظلُّ صعب التعليل، وإنما على المرء أن يكتفي مؤقتاً بوصف المظاهر النافرة لتلك العصبيات المتصاعدة.

لقد سبق لأمين معلوف أن أصدر في السنوات العشر الأخيرة كتابين نظريين يعالجان مسائل الاختلال هما «الهويات القاتلة»، و«اختلال العالم». لقد اشتهر معلوف برواياته التاريخية عن العالم الإسلامي الوسيط، والتي تطرح دائماً مشكلاتٍ إنسانية عامة. لكنه في «الهويات القاتلة» مضى نحو تحليل حضاري: لماذا هذا الضيق الهوياتي في العالمين العربي والإسلامي؟ وهو ضيقٌ لا يبدو في الانقسامات الداخلية وحسْب، بل في ممارسة العدوان ضد العالم أيضاً. الحضارة الإسلامية الوسيطة كما عرفها عن كثب في البحوث التي يؤسس عليها رواياته كانت شديدة الرحابة وهي ليست كذلك اليوم.

وفي «سقوط الحضارة» يرى معلوف أنّ النظام العالمي الذي تصدع في الحرب الباردة، وكان من مظاهر تصدعه هزيمة عام 1967، ما عاد إليه الالتئام والانتظام بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وحلول زمن الهيمنة الأميركية، ثم موجات العولمة المتزايدة، والاضطراب في كل مكان. لذا فهو يرى في هذا التطور، والذي منه الهويات والشعبويات، سقوطاً للحضارة راقبه هو وأبناء جيله عندما كان يحدث في مصر والعالم العربي، ثم جرى مثله في يوغوسلافيا، وهو الآن يضم العالم كله بدون ضوابط. والأمر بالنسبة له مدعاةٌ للحزن والخوف، لكنه واقعٌ لا مخرج منه، لا باتجاه الصين والهند، ولا باتجاه العالم العربي الذي صارت شعوبه مثل القطة على سطحٍ من الصفيح الساخن، كما في عنوان رواية «تنيسي وليامز»!

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com