الخطاب الأنيق والحالة الفلسطينية الرثة – إرم نيوز‬‎

الخطاب الأنيق والحالة الفلسطينية الرثة

الخطاب الأنيق والحالة الفلسطينية الرثة

عدلي صادق

في خطابه أمام القمة العربية في تونس، حذّر الرئيس الفلسطيني محمود عباس من خطر إنشاء دولة في غزة، كجزء من المسعى الأميركي الذي يسمى اصطلاحا “صفقة القرن”.

كان الخطاب مكتوبا بأناقة، وقد تلاه عباس مع ضبط الشكل لغويا، وغاب عن السطور الضبط السياسي ووضع النقاط على حروف المحاذير والبرقيات التي أرسلها شاكرا أو محذرا، وعازفا حتى عن التلميح، ولو بمنطق الخطوط العريضة، إلى مسؤوليات أطراف أخرى عن سياق هذه السيرورة الغزية، التي يتحدث عنها ويجزم أنها ذاهبة إلى دولة صُغرى تتجاوز مرجعيات العملية السلمية وتنهي القضية الفلسطينية وتشطب ما يُسمى “حل الدولتين”. فليس هناك ضالعون، حسب ما أفصح، سوى بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب وحركة حماس. فضلا عن ذلك، فإن الرجل، الذي لم يتحرج من عرض احتياجه المالي، ومن طلب المخرج العربي من المـأزق، بصيغة “شبكة أمان مالية” لم يتحسس الحاجة إلى شبكة أمان عربية تنقذ السياسة الداخلية الفلسطينية، التي لم يعد ممكنا الخروج من مأزقها بغير جهد عربي موسع، يمكن أن يجري برعاية جامعة الدول العربية أو برعاية مجلس حكماء عرب.

فقد أشار عباس إلى الانقسام، وطرح وجهة نظره في العقدة المستعصية، ولم يطلب شهودا ولا جهودا، وبدا كما لو أنه يريد أن تظل الرواية روايته، وأن يظل هو صاحب الحق الحصري في شرح أسبابها وأسباب المأزق. وبالطبع لم يكن مستعدا ولن يكون، للإشارة إلى دولة قطر، حتى وهو يتحدث عن نتنياهو كمتكفل بإيصال الأموال إلى حماس. فلم يقل من أين جاء هذا المال، وما هي مقاصد من أرسلوه، ولو من باب الاستفسار!

غير أن الأمر الذي لا يختلف عليه اثنان أن من يسعون إلى البدء بغزة عند تنفيذ خطة إسرائيلية-أميركية، وجدوا فرصتهم في بؤس المنطقة وضائقة أهلها الخانقة.

ومن المنطقي أن يُلام المتسببون في الكارثة، وليس من جاءوا بالوعود وبحقائب الدولارات تحت عناوين الإغاثة. فهؤلاء غير ملومين، طالما استمر الشقاء الإنساني وتفاقم. فالملومان هما طرفا الخصومة، بل إن حماس التي استولت على الحكم في قطاع غزة بالسلاح، لم تكن على الرغم من آثامها الكثيرة، هي سبب عناء وحرمان وإقصاء المنتسبين لحركة فتح التي يرأسها عباس، ولا هي المسؤولة عن تدمير مؤسسات السلطة الفلسطينية، ولا هي المسؤولة عن توجيه الجهاز الإداري في كل قطاعات السلطة، لإبعاد العنصر الغزي وإخراجه من هياكل الإدارات في حال تواجده مواليا ومؤيدا لعباس ومقيما في الضفة.

ففي هذه النقطة تحديدا، المتعلقة بإبعاد غزة وإقصاء كادرها، لم يكن لفعل عباس أي علاقة بمفردات خطابه. فقد فعل كل ما يحذر منه في الخطاب، وخاصة وهو يدعو العرب والفلسطينيين إلى رص الصفوف. فليس أحد سواه يتمسك بالحفاظ على كل أنواع الخصومات والخلافات، داخل فتح، وفي إطار منظمة التحرير، وفي الساحة الفلسطينية. وربما يكون من أسوأ أخطاء التقدير في سياسات الرجل، اعتقاده أن الحكومات العربية تجهل الحقائق، بمعطياتها وأرقامها.

لذا لوحظ أنه لم يستطع أن يحظى بلقاءات عديدة على هامش القمة، تتناسب مع الحيز الذي خصص للقضية الفلسطينية في مداولات القمة.

فقد دأب في كل قمة على طلب اللقاء بجميع الملوك والرؤساء والأمراء، لكنه هذه المرة، لم يلق استجابة على المستوى الأول، إلا من العاهل الأردني بحكم خصوصية العلاقة الأردنية الفلسطينية، وزاره في جناح إقامته ثلاثة رؤساء وفود، أولهم عبدالقادر بن صالح رئيس مجلس الأمة الجزائري، بحكم أن الرمزية التي تجسدها ألوان العلم الفلسطيني لا تزال حاضرة بقوة في الشارع وفي قلب الحراك. والآخران نائب رئيس وزراء كل من مملكة البحرين وسلطنة عمان. ولم تُعرف حتى الآن أسباب عدم استقباله من قبل زعماء دول محورية، مثل خادم الحرمين العاهل السعودي والرئيس المصري وأمير دولة الكويت. كما لا يعرف أحد، ما إذا كانت إشارة أحمد أبوالغيط أمين عام جامعة الدول العربية، على هامش القمة، إلى أن السلطة الفلسطينية تتلقى من العالم العربي 140 مليون دولار شهريا، محض تذكير بأن المنظومة العربية لم تقصر، أم إنها بمثابة رد عاجل على طلب المعونة. قد أشعل الرقم تساؤلات الفلسطينيين عبر صفحات التواصل، عن وجهة هذه الأموال التي لا تدقق فيها أي مؤسسة مالية أو رقابية.

في كل الأحوال، يتناسى رئيس السلطة أن جميع المسؤولين العرب يطالعون التقارير حول الوضع الفلسطيني، ويعرفون أن هناك مشكلة في بنية النظام الفلسطيني.

بل إن الوفد الذي رافق عباس إلى القمة، كان غير ذي وزن، وكان الأجدر به أن يذهب بتشكيلة قادرة بحد ذاتها على صياغة رسالة عاجلة وذات معنى، من خلال حضور اثنين على الأقل من الأعضاء القدامى في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، مع حضور واحد أو اثنين من الأمناء العامين للفصائل، وحضور رمز وطني ثقافي، أو وجه نسائي للتذكير- على الأقل- بالنوايا الإيجابية حيال عملية التسوية عندما بدأت، كالسيدة حنان عشراوي، ولا بأس في حال ظلت هناك مقاعد، من وجود ناطق إعلامي من القدامى، عندئذ، لن يكون محمود عباس مضطرا إلى التصريح بأنه سيتخذ خطوات صارمة، بل سيكون بمقدوره الاكتفاء بالتلميح من بعيد، لأن شكل الوفد يفي بالغرض.

في هذا الخضم، وبينما يُستغل تردي الحالة الفلسطينية عادت إسرائيل عبر إعلامها، إلى الحديث عن اقتراحات سابقة تبلورت قبل نحو عامين بخصوص غزة، من بينها ما تسمّيه المصادر العبرية “خطة بولي” التي تتشكل من مجموعة أفكار لإعادة إعمار قطاع غزة، وكان الأكثر إسهاما في وضع تلك الأفكار، الضابط الذي شغل منصب منسق أعمال الحكومة في المناطق (المحتلة) الجنرال يوآف مردخاي.

وجاء ضمن خطة هذا الضابط، ضخ نحو المليار ونصف المليار دولار إلى غزة، تُجبى من الدول العربية الميسورة، بتشجيع أميركي وأوروبي، ثم يُصار إلى إقامة مناطق صناعية لعمل الفلسطينيين في رفح المصرية، وإقامة محطة طاقة شمسية على طول حدود القطاع، وتحسين البنى التحتية للغاز والكهرباء في القطاع بمساعدة إسرائيل، وإقامة محطات لتحلية المياه، وتركيب سكة حديدية قصيرة تربط حاجز ايرز في شمالي قطاع غزة، وميناء أسدود الذي تعتمد عليه التجارة الفلسطينية، بل إن يوآف مردخاي توسع في فكرته وقال ربما يجري العمل على إنشاء ميناء خاص بالفلسطينيين في ميناء العريش شمالي سيناء!

يقول الإسرائيليون إن هذه الأفكار “فُحصت بشكل إيجابي في السنوات الأخيرة ولكنها عمليا لم تنفذ”.

ويبدو أن الأمور لم تكن نضجت للتنفيذ، وكانت في انتظار وقائع جديدة يراكمها القادة الفلسطينيون بأنفسهم وأيديهم، وعندما يستغلها المحتلون والأميركيون، يتهم كل طرف منهم الطرف الآخر بأنه هو الذي جلب إلى الشعب الفلسطيني “صفقة القرن” وهو المسؤول عن تضييع البوصلة وتضييع القضية!

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com