الحيتان والدلفين

الحيتان والدلفين

الدكتور كمال ديب، أكاديمي لبناني يعمل في الخارجية الكندية في أوتاوا. ولا تمضي فترة إلا ويصدر له مؤلف حول لبنان أو سوريا، جميعها يتميز بالبحث والجدية، سواء اتفقت معه أو اختلفت في الاستخلاصات. أحدث كتبه (دار النهار) يحمل العنوان التالي: «يوسف بيدس: إمبراطورية إنترا وحيتان المال في لبنان» وهو في 540 صفحة.

ويوسف بيدس مصرفي فلسطيني أسس بنك «إنترا» الذي كان أكبر مصارف لبنان إلى أن انهار تحت ضغوط سياسية عام 1966. ولأن المفكر منح الصلح يقول، إن البنك وقع ضحية الصراع الأميركي البريطاني في لبنان. وهناك نظريات أخرى منها أن الدولة اللبنانية خافت من حجم رجل أعمال فلسطيني وضع ماله في جيوب جميع السياسيين، فقررت أن تضربه.

من خلال قصة بيدس، يقدم الدكتور ديب موجزا لتاريخ لبنان مليئا بالمراجع ويغلب عليه نفس يساري ومصطلحات شاعت كثيرا في الخمسينات والستينات، مثل «النيوليبرالية»، والأخيرة يقصد بها شطارة المشرقيين المائلة إلى تقديم الربح على الأخلاق والنظم.

يذكرني عنوان الدكتور ديب: «بيدس وحيتان المال في لبنان» بالقول الشائع «اليمين الغبي». فالذين يستخدمون هذا المصطلح، مثل الأستاذ وليد جنبلاط، لم يقدموا مرة على استكمال الجملة بالقول «واليسار الذكي». وإذا كان المقصود باليمين الرأسمالية، فهي لا تزال حية، فيما انهارت الشيوعية في الصين وموسكو، واختارت اقتصاد اليمين الغبي!

«بيدس وحيتان المال» عنوان يوحي بأن ذلك المصرفي المبهر كان ملاكا يواجه مجموعة من الشياطين المعتدين. أما الحقيقة فإذا كانت كلمة حوت استخدمت لوصف الأحجام المالية، فإن بيدس كان كبير الحيتان. وكان أكثرهم حنكة وذكاء. وكان نموذج الرأسمالي الطموح الذي اشترى المباني والأستوديوهات والمرافئ، كما اشترى النواب والسياسيين. سواء بالنسبة لطلبه أو بالنسبة لعروضهم. ومن جملة ما يأخذ الدكتور ديب على مواطنيه أنهم أغبياء، أهملوا الزراعة وانصرفوا إلى اقتصاد الخدمات. واستند في ذلك إلى مطالعة وضعها لبناني ممتاز في الأربعينات هو الدكتور نعيم اميوني. ويغيب عن بال ديب أن لبنان مؤلف (في الحالات الطبيعية) من 10 آلاف كيلومتر مربع معظمها صخور وجبال جرداء وفيها سهل واحد.

الأفكار اليسارية تبدو على الورق باعثة على الفرح، أما على الأرض، فإن الدكتور ديب مأخوذ بالنموذج الكندي وخيرات أوسع أرض خصبة في العالم. أنا أيضا كنت أحلم بأن أعيش من الزراعة بعيدا عن كل صخب وحيث لا تصل الصحف التي يكتب فيها بعض «مطرطشي» الحبر والخيش الفكري. ثم اكتشفت أن معظم ما أملك من أرض يحتاج إلى استصلاح تؤمنه الدولة، وأن الرشوة للحصول على الاستصلاح تفوق المواسم على 20 عاما. لذلك، بقيت حيث تصل كتابات الخيش.

*الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com