ألغام أمام صفقة القرن

ألغام أمام صفقة القرن

تاج الدين عبد الحق

الذين ينتظرون صفقة القرن، يفاجَأون بالألغام التي ينثرها عرابو هذه الصفقة في طريقها، لدرجة يصبح حديثهم حولها، وتبشيرهم بها، نوعًا من الجدل السياسي الذي يفتقر إلى معطيات حقيقية، أو شكلًا من أشكال الاجترار لخطاب تسوية ممل، تشبه خلاصته حكاية إبريق الزيت، الشعبية المعروفة، التي تنتهي كل مرة، من البداية التي انطلقت منها.

آخر الألغام التي زرعت أمام الصفقة العتيدة تصريحات الرئيس دونالد ترامب بشأن هضبة الجولان السورية المحتلة، والتي منح -دون مناسبة، ودون سند قانوني أو حجة سياسية- السيادة عليها لسلطة الاحتلال الإسرائيلي، متجاهلًا قرارات الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي بهذا الشأن.

وبالتزامن مع تصريحات ترامب بخصوص الجولان، جاءت زيارة وزير خارجيته للبنان، والتي قيل إن أولويتها كانت إبلاغ لبنان بقرار واشنطن التخلي عن وساطتها بشأن ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، واعتبار البلوك 9 -من الحقول النفطية المتنازع عليها- حقًّا لإسرائيل بدلًا من اقتراح أمريكي سابق باقتسام الحقل بين الطرفين.

قبلها كان ترامب وقع القرار الذي لم يجرؤ رئيس أمريكي على توقيعه، وهو اعتبار القدس المحتلة عاصمة موحدة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، في خطوة غير مسبوقة في فجاجتها، إلا من الاحتلال الإسرائيلي نفسه للمدينة المقدسة، وإعلانها في العام التالي لحزب حزيران عاصمة أبدية للدولة العبرية، دون أي اعتبار للمعارضة الدولية لهذه الخطوة، والتي كان من بينها -وللمفارقة- اعتراض من الولايات المتحدة.

وبالتزامن مع خطوة نقل السفارة للقدس المحتلة، أوقفت الإدارة الأمريكية مساهمتها في ميزانية منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينين الأونروا، في خطوة فهم منها أنها محاولة لتصفية قضية اللاجئين، كقضية يتعين أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليتها، وأن يتعامل معها كقضية متصلة بكافة أبعادها بالقضية الفلسطينة.

قبل هذا وذاك أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في سبتمبر من العام الماضي، عن نيتها إغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وهي خطوة تعني في أقل تقدير، سحب تأييد واشنطن لفكرة حل الدولتين، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.

وعلى قاعدة أن لا دخان من غير نار، فإن ما ينثر من ألغام أمام الصفقة ليس كافيا لحجب ما يدور في الكواليس وفي المجالس المغلقة، لكن وبخلاف المرات السابقة التي كانت بها الولايات المتحدة تنخرط في وساطات، أو مشروعات تسوية، لا نجد في حديث صفقة القرن المتداول ما يشير إلى ثمن سياسي تدفعه واشنطن للجانب العربي، لإتمام أو إنجاح هذه الصفقة . فما هو مطروح من أفكار لا يتعدى ترتيب الأوضاع في المنطقة بحيث يتم تمويل احتياجات إعادة تأهيلها بموارد المنطقة ذاتها وبأموالها.

والأوضاع التي يجري الحديث بشأنها ليست أوضاعًا سياسية في المجمل، وأولويات من يصيغ أبجديات الصفقة، هي ”خلق مناخ اقتصادي يعطي أملًا لشعوب المنطقة“ أو على حد تعبير كوشنر صهر الرئيس ترامب الذي يتولى الترويج والتخطيط للصفقة، تحرير الأجيال الجديدة من الخلافات المزمنة القديمة، وكأنه يحاول الفصل بين الهموم السياسية التي عاشتها المنطقة منذ قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948، وبين الهموم الحياتية والمعيشية التي تعيشها شعوب المنطقة الآن.

الولايات المتحدة تدرك أنها تتعامل مع واقع سياسي واجتماعي جديد. فالمطالبة بالتغيير والتحديث السياسي الداخلي تتغلب اليوم على الفكر السياسي التقليدي الذي سوّغ لأنظمة وقوى سياسية واجتماعية، أن تصادر الحريات بحجة التصدي للاحتلال، وأن تعطل التنمية، أو تشوهها بالحجة ذاتها مستندة إلى فقه الأولويات.

وبوحي هذا الواقع الجديد بدأت واشنطن تغيّر أولوياتها، وبدلًا من الطرح التقليدي الذي كان قائمًا على فكرة مشروعات تسوية سياسية، لم يتحقق لها النجاح، تقدم الآن مشاريع مختلفة من شأنها تغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي، على أمل أن يغير الواقع الجديد المناخ السياسي في المنطقة، ويفرز لاحقًا حلولًا مبتكرة لمشاكلها السياسية والأمنية.

الرهان في المقاربة الأمريكية الجديدة –إنْ صحت– ليس على الإرادة السياسية للأطراف العربية المنخرطة في التسوية. فهذه الأطراف تعيش أوضاعًا مزرية، إما بسبب ضغوط الشارع، وإما لترهّل الإدارة وفسادها. فتعويل الإدارة الأمريكية هذه المرة –كما يبدو – على حالة الإحباط والملل، التي يعيشها كثير من العرب، وعلى الأزمات التي يمر بها الشارع العربي، وهي أزمات من الصعوبة بحيث لا تجعل الكثيرين يلتفتون إلى ما يحاك لهم في الكواليس الخلفية، بل إن البعض منهم، قد يرحب بمخرجات هذه الكواليس إنْ وجد فيها خلاصًا مِن أزماته اليومية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com