عن خطيئة حماس في غزة

عن خطيئة حماس في غزة

عدلي صادق

عندما وجدت نفسها محاصرة ومشدودة بين تبعات الحكم في غزة، وانسداد الأفق أمام خيارها الأول، وهو الاشتباك اليومي مع الاحتلال الصهيوني، الذي من شأنه أن يمنح جماعة “الإخوان” في الإقليم مأثرة استثنائية، تحت لافتة المقاومة الواجبة والكاشفة لتخلي الآخرين عن بيت المقدس؛ بدأت حماس منذ نحو ثلاث سنين منحى مختلفاً على كل صعيد، يعتمد منطق السياسة ومقارباتها، وينزع إلى تأسيس علاقات على قاعدة بعض القواسم المشتركة مع الجوار المصري، ومع إسرائيل نفسها من خلال اتصالات غير مباشرة عبر الوسيط القطري، وذلك في إطار ترسيخ دعائم الحكم في غزة، بالتشدد الأمني حيال المجتمع، وتحويل الاشتباك مع إسرائيل إلى نوع من التفاوض على التسهيلات الجزئية والمحدودة، أو لرفع أثمان الهُدن بتحصيل انفراجات، هي من أبسط حقوق البشر، إذ تتعلق بحركة المرور أو حركة صيادي الأسماك في البحر.

ومع تحديد مثل هذا السقف، وجد المواطن الغزي البسيطُ نفسَه يسخر من الأهداف الجديدة لحركة المقاومة، ويتذكر أن الأوضاع التي رفضتها حماس وانقلبت عليها لكي تحرر بيت المقدس كانت تمثل على المستوى المعيشي بحبوحة ضائعة أو مُضيّعة، يتأسى الناس على أيامها. فقد كان هناك مطار في رفح، وحركة مرور على مدار الساعة عبر المنافذ، وسوق عمل نشطة، واقتصاد يتحرك، ومعامل وخطوط تصدير المنتجات والورود والحمضيات!

في سياق حرصها على تثبيت دعائم الحكم، استفادت حماس من حاجة الدولة المصرية إلى تحييدها أو تعاونها الأمني، في خضم معركتها مع الإرهاب. وعليه فقد نشأت علاقة الضرورة بين الطرفين، على أن يتحمل كل منهما الآخر في ما اختلفا عليه، ومن الأمثلة على ذلك ألا تُعقّب حماس وألا تهجو سياقات المحاكم المصرية وهي تنظر في قضايا تخابر “الإخوان” المصريين معها، وكأن شيئاً لم يكن ولا يخصها، وألا تعلق الدولة المصرية على الصلة الوثيقة لحماس مع قطر وتركيا. ففي علاقة الضرورة هذه، تقاطعت التناقضات.

المصريون حريصون على التهدئة في غزة، وتثبيت الوضع كما هو عليه، والقطريون حريصون على إخراج حماس من ضائقتها المالية، لكي يبقى الوضع على ما هو عليه، فتلبي حماس احتياجات حكمها. ربما تختلف المقاصد لكن السياق يتشابه، وفي تشابهه رأت السلطة الفلسطينية في رام الله، أن الأمور وأساليب التعاطي مع الحكم الحمساوي في غزة، تتجه في خط معاكس لما تريده، لكن رئيس السلطة ظل حيال ذلك كمن في فمه ماء، لا مصلحة له في النطق، لحرصه على علاقة طبيعية مع القاهرة والدوحة، ولعلم القاهرة والدوحة، أن تدابيره الإقصائية لغزة، من شأنها الإضرار بكل ما تريده الأطراف الأخرى ويريده الفلسطينيون.

في هذه الغضون، كانت لدى حكومة إسرائيل -بخصوص حماس- مسألتان مقلقتان تؤثران على موقف الرأي العام، وهما استقرار وأمن منطقة غلاف غزة وبلداتها، وإطلاق الأسرى أو الجثث التي في حوزة حماس. أصبحت المسألتان، بالإضافة إلى وضعية التهدئة التي يريدها الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي، ثلاث أوراق يتحرك بها الجانب المصري، على النحو الذي يعزز دور مصر ويؤكد على مسؤوليتها في إقليمها، ولاسيما أن المسائل الثلاث تتقاطع مع موضوع الأمن في سيناء، ومع مظان تتعلق بصلات مفترضة بين المجموعات الإرهابية وإسرائيل في سياق عملياتي معقد. وعلى هذا الصعيد، تجري الاتصالات أحياناً بلغة كليلة ودمنة.

من جانب آخر، وعلى الرغم من كل هذا العمل الحثيث على تثبيت التهدئة واحتواء الاحتكاكات الفجائية التي تتهددها، وتخفيف الحصار على غزة (وقد بات أمراً تحث عليه القوى الدولية) ومساعدة حماس على التغلب على مصاعبها المالية وفتح الطريق لما يسمى المنحة القطرية ودُفعاتها الشهرية الست المقررة؛ فقد تعاظمت المشكلة الاقتصادية الاجتماعية في غزة، وضاقت أحوال السكان إلى الحد الذي لم يعد يطاق. وظل كل ما يجري على جبهة الخصومة الفلسطينية، يزيد من عناء السكان دون أن يؤثر على طرفي الخصومة وحياة المسؤولين الفلسطينيين من الجانبين.

تجمدت أحوال الأسواق وتوقف العمل والإنتاج، وتنامت نسب البطالة، وتوقفت تماماً فرص التوظيف فتراكم الخريجون الذين لا يجدون عملاً فاضطر قسم كبير منهم إلى ركوب البحر وارتياد الصحاري. ففي قطاع غزة وحده، يتهيأ لسوق العمل سنوياً نحو عشرين ألف خريج جامعي ومؤهل من المعاهد الحرفية وشبان في سن العمل. فقد تراكم هؤلاء طوال أكثر من عشر سنين. وبالطبع، كانت الأطراف كلها في الإقليم، تنتظر إنهاء الانقسام الفلسطيني، بينما طرفا الانقسام يريد كل منهما إنهاء الآخر أو إخضاعه.

وبناء عليه ظلت أحوال الناس تزداد شقاءً، وتزيدها ألماً في غزة والضفة، القبضتان الأمنيتان، كلٌ منهما في سياقها. ووضعت حكومة السلطة في رام الله نصب عينيها، إيصال الناس في غزة، إلى حال الانفجار الاجتماعي، والانقلاب على سلطة حماس. وهذا بحد ذاته، ألقى الرعب في قلب حماس، حتى بات الاحتجاج والتظاهر الفئوي، أو الحراك على مستوى مدرسة ابتدائية لأمر مطلبي بسيط يُدرج عند حماس باعتباره محاولة لإسقاطها، فتواجهه بالبطش.

لكن القشة التي قصمت ظهر البعير، وبدت الأمور معها وكأن السلطة في رام الله قد نجحت في مسعاها، أن حماس مضت في تصعيد وتيرة الضرائب المفروضة على السلع حتى الاعتصار. وفي مثل هذه الأوضاع الضاغطة على أعصاب الناس، تكون للسجائر وتبغ النارجيلة، أهمية استثنائية، وهذه رُفعت أسعارها إلى معدلات غير مسبوقة، وباتت السلع الغذائية والمنتجات المصرية تصل إلى المستهلك الغزي بعد اليد الضريبية والتهريبية الرابعة أو الخامسة.

وفي هذه الأثناء، ظهرت عبر وسائل التواصل أشرطة فيديو شديدة الاستفزاز عن سلوك حماس، لعل جزءاً منها روجته غرف الذباب الإلكتروني التابعة لحكومة رام الله. وكان من بين هذه الشرائط ما هو طريف، يصور رجلاً يتلقى حماراً كهدية أرسلها قريب له في منطقة النقب، عبر أحد منافذ البضائع، فتطالبه سلطة حماس بجمارك بالشيكل الإسرائيلي بقيمة نحو 140 دولاراً.

بدأ حراك الجماهير في غزة، احتجاجاً على الضرائب وعلى انسداد أفق العمل والرزق ومنافذ الرحمة. رفع المتظاهرون شعار “بدنا نعيش”. تفشت هذه اللافتة ورُفعت في وجه سلطة جاءت لكي تقول إن هدفها هو الاستمرار في المقاومة حتى تحرير بيت المقدس، وانتهت إلى المراوحة في مربع الهدنة، لكي تعيش هي. والناس يرون رموز السلطة وقادتها يعيشون في بحبوحة، بينما سياساتهم وسياسات خصومهم في رام الله، تُفاقم شقاءهم. ولما انتشرت التظاهرات كالنار في الهشيم، أطلقت حماس على الشارع الوطني جنودها بالهراوات الغليظة، وهؤلاء هم أنفسهم الجنود الذين سلحتهم وأعطتهم وظائفهم من خبز الناس وعصارة حياتهم.

كانت الهجمة غليظة وقاسية وبذيئة، جرى فيها اجتياح بيوت بالجملة واعتقال شباب العائلات بالجملة، والتعدي على النساء في منازلهن. وجاءت التهمة أو الذريعة سخيفة، وهي أن هذه الجماهير تلبي نداء خصوم حماس في رام الله، علماً بأن الناس أدركوا مسبقاً أن الطرفين شريكان في إيذائهم وإيصالهم إلى حال الانفجار، وفي الوقت نفسه، التورط مع المجتمع وبدء كل طرف طريقه إلى السقوط بالمعنى التاريخي.

في اعتداء حماس على المجتمع، غلب طبع “الإخوان” تطبعهم، وبدا التجسيد العملي لفكرتهم الحزبية من أساسها، وهي أن “الجماعة” هي الرهط الراشد حصراً واستثناءً ودون سواه، وكل من هم خارج فسطاطه آثمون وضالون، وبالتالي لا شيء يدعو إلى الترفق معهم إن اعترضوا أو كانت لهم وجهات نظر أخرى. وهذه هي خطيئة حماس في غزة!

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com