النازحون السوريون وتجارات الداخل

النازحون السوريون وتجارات الداخل

رضوان السيد

عندما كان مؤتمر بروكسل الثالث ينعقد من أجل البحث في قضايا النازحين السوريين في لبنان، وأهمها إعادتهم إلى سوريا، كانت القنوات التلفزيونية اللبنانية تعرض مشاهد من مخيمات اللاجئين، وقد صارت لها حيطان وبقيت سقوفها مؤقتةً فقط. وثالثة الأثافي في نظر الإعلاميين هؤلاء أنّ المنظمات الدولية التي تتولى مساعدة هؤلاء تعينهم أيضاً في تحسين ظروف سكناهم، لأنّ الشتاء كان وما يزال قارساً وثلجياً كثير الأمطار، كما لم يكن من عشر سنوات!

لماذا هذه الدعاية المخيفة ضد اللاجئين السوريين، مثلما أو أكثر مما كانت بحق اللاجئين الفلسطينيين؟ رئيس الجمهورية ووزير الخارجية يقولان: لأنهم يتهددون لبنان بتغييرٍ هويته! وهم يعنون بذلك أنهم مسلمون، وإن لم يعودوا فسيحصل «توطين»، ويتضاعف عدد المسلمين، ويحصل اختلال «وطني» كما يقولان مع مسيحيين آخرين من أنصار الدم اللبناني الأزرق والنقي. والمعروف أنّ أحداً لا يحصل على الجنسية اللبنانية إلاّ بتوقيع رئيس الجمهورية. فالفلسطينيون المقيمون منذ 1948 و1967 ما «توطن» منهم غير المسيحيين وبتوقيع رؤساء الجمهورية المتعاقبين، دونما اعتراضٍ من أحد، ولا حتى من أنصار الدم النقي. وإذا كان أحد من السوريين قد حصل على الجنسية اللبنانية في السنوات القليلة الماضية فينبغي أن يكونَ مسيحياً، وأعرف أُناساً غيروا دينهم من أجل ذلك! وهناك مئات السوريين والفلسطينيين المسيحيين والمسلمين تم تجنيسهم قبل قرابة العام، والجامع بينهم أن أغلبيتهم من كبار الأغنياء.

السبب الأول لكراهية اللاجئين السوريين أو الضيق بهم إذن هو أنهم في معظمهم مسلمون. والسبب الثاني أنّ عددهم هائل، وهو كما يقول رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الخارجية: مليون ونصف المليون. أما المؤسسات الدولية التي تساعدهم فلديها إحصاء دقيق هو: مليون وخمسون ألفاً. ويمكن أن يكون في لبنان ثلاثمائة أو أربعمائة ألف سوري أكثر، لكنّ الآخرين يعملون وعندهم إقامات منذ سنواتٍ طويلة. وإنما يأتي التهويل بحجتين: أنّ لبنان صغير المساحة ولا يتحمل هذا العدد الكبير، وأنّ أوضاعه الاقتصادية وبناه التحتية لا تتحمل، وهذان أمران فيهما بعض الصحة. لكنّ رئيس الحكومة وأمام المؤسسات الدولية التي تساعد اللاجئين، والتي اجتمعت في بروكسل، قال إنّ انهياراً اقتصادياً سيحصل في لبنان بسبب وجود اللاجئين الذين لا يستطيع لبنان تحمل أعبائهم. وقد كان الحاضرون وما يزالون يعرفون أنّ وجود اللاجئين ليس السبب الخامس أو حتى السابع في المشكلة الاقتصادية. وأنّ المانحين يدفعون منذ العام 2015 ثمانين أو تسعين بالمائة من نفقات اللاجئين. وقد سمعتُ من باحثٍ اقتصادي (مسيحي) أخيراً أنّ إنفاق الدوليين على النازحين، وإنفاقهم هم، شكّل وما يزال دخلاً معتبراً للبنان وسط الأزمة الاقتصادية الهائلة. وقد طالب رئيس الحكومة في اجتماع بروكسل الحاضرين بزيادة الدعم، وهذا أمرٌ مشروع كما يفعل الأردن وغيره. لكنّ وزير الخارجية اللبنانية، والذي لم يرافق رئيس الحكومة إلى بروكسل، قال إنه يرفض هذا الدعم لأنّ المقصود به التشجيع على إبقاء اللاجئين في لبنان!

بين الكلام الكثير الذي قاله رئيس الحكومة في بروكسل هناك أمرٌ صحيح وهو مطالبة الحاضرين والجهات الدولية الأُخرى بالضغط على النظام السوري للقبول بإعادة الهاربين من شعبه إلى لبنان. نعم، ما هجَّر نظام بشار الأسد ستة ملايين سني ليعيدهم أو ليرحّب بعودتهم. وقد قال مدير الأمن العام اللبناني -شهادةً للنظام السوري- إنه عاد منهم مئتا ألف، وحسب المنظمات الدولية ما عاد غير 14 ألفاً جرى القبض على عدة آلافٍ منهم، والآخرون من النساء والأطفال في حالة سيئة جداً. ولو كان باسيل ووزير النازحين وآخرون ممن ذهبوا إلى سوريا مهتمين بعودة النازحين لأتوا معهم بعرضٍ من أي نوع، وقد قال رئيس الحكومة ببروكسل إنه مستعد للتعاون مع كل عرض بما في ذلك العرض الروسي. وقد قال الروس بعدة أساليب إنّ مبادرتهم فشلت حتى الآن لأنّ النظام السوري لا يريد. كما قال ذلك الأردنيون رغم أن علاقاتهم بالنظام السوري ممتازة.

خلاصة الأمر أنّ القوى المسيحية والشيعية السياسية اللبنانية تريد عودة العلاقات مع النظام السوري، أما بقية الموضوع فتجارة طائفية وعنصرية.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com