لقاء مع الأستاذ – إرم نيوز‬‎

لقاء مع الأستاذ

لقاء مع الأستاذ

يوسف القعيد

كان موعدي مع الأستاذ في التاسعة والنصف من صباح الأربعاء الماضي، ولأن الطريق كان سالكاً وصلت في التاسعة، وهكذا تقدم اللقاء نصف ساعة. هذه أول مرة أراه منذ سفره، كان بيننا موعد قبل عشرة أيام، ولكن لم أستطع الخروج من مدينة نصر، نظراً لإطلاق رصاص في شارع مصطفي النحاس مع حريق في الشارع، وهو ما لم يشر إليه الإعلام.

قلت لنفسي: هذا يؤكد لي أن إعلامنا بخير. هكذا وجدت الرجل بعد فترة، ربما تصل إلى شهرين منذ اللقاء السابق، متألقاً حاضر الذهن، موفور البديهة، يجلس في مكتبه الملاصق لبيته، وكأنه في مهمة عمل، أي أن الرجل يرتدى ملابسه الكاملة الأنيقة، ولا ينسى ربطة عنقه، ما يعطيك الانطباع بأنه يمارس عملاً مهماً يحبه، ولا يستقبل زائراً على مشارف بيته.

وهكذا تتعلم التقاليد من مجرد اللقاء به، ولا يتوقف الأمر عند حدود ما يمكن أن تسمعه من كلماته.

بادرني بالسؤال عن أحوال البلد أولاً، ثم الصحة والحال. وقبل أن أجيب فاجأني بقوله: ألاحظ عليك كرماً غير عادي في تلبية الدعوات، ربما تتصور هذا كرم فلاحين، ولكن الوقت ثروة وتبديدها خطأ وخطر معاً.

أنت تعرف أنني لا ألبي هذه الدعوات، وليس معنى هذا أن تلبيتها سلوك معيب، ولكن أنا لا أخرج من بيتي ليلاً، ومعظم هذه الدعوات، إن لم يكن كلها، تتم بالليل، فأعتذر، والاعتذار أكثر راحة لي من مغامرة الذهاب. وقبل أن أجيب، بادرني بملاحظته الثانية: ثم هناك توسع في كتابة المقال الصحافي، وهو أمر مشروع لروائي في بلادنا، عوائد الأدب، إن كانت له عوائد أصلاً، لا تكفي.

لا يعرف الأستاذ أنه حتى عوائد الكتابة في الصحف ربما تنزل لحد الكفاف أو الحد الأدنى، وأن صرف هذه المكافآت ليس من الأمور السهلة.

أعترف بأنني طأطأت رأسي خجلاً من صدق ما يقوله، ولأنني أوافقه تماماً. تكلم الأستاذ عن أنه لن يبقى في النهاية سوى النص الأدبي، وما عداه هوامش، ثم تحدث عن أن الاحتشاد لكتابة عمل روائي، ربما كان أهم من الكتابة نفسها. والاحتشاد أكبر من عمليات الاستعداد، والبحث عن المعلومات وتدوين ملفات الشخصيات، والبحث عن الخلفية التاريخية للأحداث.

ثم تحدث عن مصر، وأنه يرى مشروعات كثيرة هنا وهناك، ولكن لا ينتظمها مشروع وطن كبير يصير فيه الكل في واحد. ربما كانت هذه المشروعات مهمة، وقد تتطلبها حياة الناس، وعدم القيام بها يسبب الكثير من المشكلات، أو ربما تفاقم حياة الناس الصعبة.

لكن مشروعاً هنا ومشروعاً هناك دون علاقة بينهما، مردوده ضعيف، هذا إن كان له مردود أصلاً.. لا بد من فكرة، لا بد من حلم، لا بد من ثورة، وبعد ذلك تأتي التفاصيل.

ثم تطرق حديثه لذهابه للعزاء في رضوى عاشور، فقال إنه عرفها معرفة شخصية، ولو أن الأمر مجرد قراءة لها لاختلفت الحكاية. ولأن هيكل حكاء قبل أن يكون جورنالجياً، فقد حكى حكايتها معه، أو حكايته معها.

جاءته لأول مرة لأن زوجها الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي كانت لديه مشكلة إقامة (عندما يخدم الأستاذ إنساناً لا يذكر التفاصيل)، ثم كانت الزيارة الثانية لتقدم له نسخة من كتاب مريد البرغوثي «رأيت رام الله»، وهو كتاب نثري، رغم أنه شاعر.

والزيارة الثالثة كانت لتعتذر له «عما تصورته كلاماً غير مناسب قاله ابنها الشاعر تميم البرغوثي عني»، ويكمل: وأنا لم أكن قرأت هذا الكلام ولا سمعت به، مع أن تميماً عندما ذهبت للعزاء في والدته صافحني ثم قبَّلني.

ويصيف: ثم أصيبت رضوى بالمرض، وأنا مريض سابق بنفس المرض (لا يخجل هيكل من الحديث عن مرضه، مع أننا ننتظر إلى الأمراض وكأنها عيوب لا بد من إخفائها وعدم الكلام عنها)، وذكر الأستاذ تفاصيل عن مرضه ومرضها، وحدثني عن كتابها الأخير «أثقل من رضوى»، الذي قدمت بعض المشاهد من سيرتها.

قناعتي أن هذا الرجل لو لم يكن جورنالجياً، لكان روائياً احترف كتابة النص الروائي والقصصي، ولذلك يهتم بالسؤال عن الأعمال الروائية والقصصية الجديدة، بل يسألني عن العروض السينمائية في دور العرض التي تستحق المشاهدة. سألني عن جمال الغيطاني وظروفه الصحية، لقد تابعها واتصل به أكثر من مرة.

والمهم عنده أن تكون صحته على ما يرام، في مواجهة هذا التوتر. وقبل أن نخرج من دفتر الأوجاع والهموم، سألني عن ماجدة الجندي وأخبارها الصحية.

قلت له الرد التقليدي: بخير، ولكنى أردفت أنها الآن في نيويورك تعرض نفسها على أطبائها، كنوع من الكشف الدوري الذي تقوم به. في مصر الستينيات عندما كانوا يقولون الرئيس، كنا نعرف أنه عبد الناصر، وعندما كانوا يرددون الست، فهي أم كلثوم، أما لو قالوا الأستاذ، فلا بد أنه هيكل، الذي اكتفي بلقب الجورنالجي.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com