السعودية في مواجهة التطرف والأصولية

السعودية في مواجهة التطرف والأصولية

إميل أمين

يوماً تلو الآخر، تؤكد المملكة العربية السعودية أنها ماضية قدماً في طريق الانفتاح العقلاني الخلاق، ضمن سياقات ورؤية مشروع 2030 الذي يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

ولعل الحوار الرصين الذي أجرته محطة «سبوتنيك» الروسية مع وزير الشؤون الإسلامية السعودي الدكتور عبد اللطيف بن عبد العزيز آل الشيخ، يدلل على أن الذهنية الأحادية للرأي والتوجه الإنساني لن يكون لها موقع أو موضع في الداخل السعودي خلال السنوات المقبلة.

حديث الدكتور آل الشيخ يؤكد فيما يؤكد صعوبة المواجهة والمجابهة مع عقليات متكلسة، ترفض التحول الثقافي المدروس، وتسعى للتشبث بآراء ومعطيات ترتبط بمصالحها الضيقة، وعادة ما توظفها لصالح أغراض حزبية، ومن دون النظر إلى جوهر «الخير العام» للبلاد والعباد، في الحاضر والمستقبل.

ما يجري على أرض المملكة من نهضة فكرية، أمر تتجاوز منافعه الشعب السعودي، ولا نغالي إن قلنا إن انعكاساته لا بد لها من أن تؤثر بالإيجاب في الإقليم بداية، ثم العالم برمته، فالمملكة هي قلب العالم الإسلامي النابض، ورؤاها الدينية والإيمانية، الاجتماعية والإنسانية يمكنها أن تصنع صيفاً أو شتاءً، على صعيد العيش المشترك.

يمكن للمملكة والقائمين على شؤونها فتح عقولهم وقلوبهم للمناصحات الفكرية، وهو أمر محبوب ومرغوب، لا سيما أنه طريق تشكل أداة وطوق إنقاذ للذين انساقوا وراء الأفكار الهدامة، وقد جاءت النتائج مبهرة، ما أدى إلى تراجع كثير من المنظرين للفكر التكفيري المنحرف.

غير أن يد ولاة الأمر في داخل المملكة، قوية ولا تهتز، لا سيما إذا اقترب الخطر من أمن المواطنين وأمانهم في الداخل أو الخارج.

كانت المملكة سباقة في الانضمام إلى معاهدة مكافحة الإرهاب الدولي في دول منظمة التعاون الإسلامي، وقد قدمت طوال العقدين الماضيين نموذجاً تقدمياً وبراقاً في سياق مكافحة الغلو والتطرف والإرهاب، بكل صوره وأشكاله الأمنية والفكرية، ولم يتوقف الأمر عند حدود التنظير الفكري المواجه والمجابه، بل تجاوز إلى إجراءات عملية ولوجيستية عملت على تجفيف منابع الإرهاب، ومصادر دوائر تمويل الأصوليات الضارة، وما بين هذا وذاك، سنت من الأنظمة والقوانين ما يجرم دعم الإرهاب والإرهابيين، ومن يقف خلفهم أدبياً أو مالياً.

في هذا السياق والنطاق لا يمكن لمن يرصد المشهد السعودي من الداخل أن يغفل إعلان الأمير محمد بن سلمان الخاص بتشكيل تحالف إسلامي لمحاربة الإرهاب، تداعت له الدول الإسلامية حتى بلغ عددها 34 دولة، بعد أن استشعر الخطر الداهم الذي يلاحق مواطنيه، وقناعة منه بأن المملكة شريك إيجابي لبقية دول العالم الواقفة صفاً وصداً أمام هذا الخطر الماحق.

أفضل ما يلفت النظر في حديث وزير الشؤون الإسلامية السعودي تأكيده أن الدين الإسلامي بريء مما يقوم به الإرهابيون، وأن التسامح والتعايش وقبول الآخر بغض النظر عن دينه، وجنسه، وعرقه، ومذهبه، هو جوهر الدين الإسلامي الحنيف، ويكفي للدوائر السلافية الشرقية الروسية، أو نظيرتها الغربية النظر والإمعان في هذه التصريحات، التي تعيد اليمينيين إلى جادة الصواب، جهة صحيح الإسلام، وناحية هوية المسلمين.

وصفت الفضيلة بأنها وضع متوسط بين تطرفين، وهذا ما تحاول المملكة دعمه في حاضرات أيامنا، وبالعودة إلى الوسطية تكافح السعودية داءين عضالين، ألا وهما: داء التهاون والتفريط من جهة، ومن يسلكه يبدأ في الانحدار قولاً وعملاً، إلى درجة الوصول لاحقاً إلى الانسلاخ الكلي عن الدين والإيمان، فيما الداء الآخر فموصول بالمبالغة والغلو حتى يصل الإنسان إلى دائرة الانحراف الفكري، والشطط العقلاني.

ينظر الأشقاء في السعودية نظرة ملؤها التقدير للأزهر، ويعدونه من محاضن العلم، والجيد للغاية في مسيرة الوعي السعودي المستعاد إلى دائرة الوسطية الناجعة، هو القبول بالتعاون المثمر مع الأشقاء في تلك المؤسسة الدينية والعلمية التي كانت ولا تزال محل تقدير من العالم الإسلامي على مر العصور بسبب رؤاها الوسطية وقبولها الآخر، وخدمتها الإسلام والمسلمين من مشارق الأرض إلى مغاربها، والهدف هو التعاون البناء، لنشر الوسطية والاعتدال، ونبذ الغلو والتطرف والكراهية بين شعوب المسلمين في كل مكان، ومع شعوب البشرية جمعاء، وحتى يسود السلام عالمنا أجمع.

والقارئ بتؤدة وعناية للحوار الذي نحن بصدده يرى حقيقة السعي إلى مدارج درب إنساني مثير ومبارك، فالأمم لم تزل تستفيد من بعضها، وإدراك أن ثقافات الأمم هي نتيجة خبرات وتجارب، وأن ليس كل تقدم غزواً فكرياً، وقد تكون هذه ذريعة من لا يريدون بالأمة خيراً، ويودون لها الثبات الذي يصل إليها لاحقاً بالجمود المؤدي إلى الموات العقلي والنقلي.

ما لدى الآخر قد يكون مفيداً لنا أو ضاراً، ورفض التعاطي معه دفعة واحدة، والتهويل من شأن الآخر المغاير دفعة واحدة وتصويره على أنه العدو في الحال والاستقبال، قصور عقلي، لأنه يمنع الاجتهاد في تقييم القضايا، ما لا يتسق مع أمة لها حضارة عميقة شارك في صنعها من غير العرب وغير المسلمين كثيرون ولم تخشَ من الذوبان، بل كان إقدامها ترياقاً منع عنها حالات الانسداد التاريخي التي نعانيها الآن.

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com