الدفع الشعبي الجزائري إلى الجمهورية الثانية

الدفع الشعبي الجزائري إلى الجمهورية الثانية

عدلي صادق

يبدو أن المجموعة التي تحكم باسم الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، قد خانها ذكاؤها عندما ارتجلت رسالة الرئيس إلى شعبه، فجعلته يتعهد في حال ترشحه، باختصار مدة مكوثه في السلطة إلى عام واحد، يدعو بعده إلى انتخابات مبكرة، لا يترشح فيها، مع ضمانات لأن تؤمّن هذه الانتخابات انتقالا سلسا للسلطة، “بعد تنظيم ندوة وطنية شاملة جامعة ومستقلة” كما جاء في الرسالة المنسوبة إلى الرئيس بوتفليقة، ويكون هدف الندوة الموعودة، حسب ما جاء في الرسالة حرفياً “مناقشة وإعداد واعتماد إصلاحات سياسية ومؤسساتية واقتصادية واجتماعية، من شأنها إرساء أساس النظام الجديد، الإصلاحي، للدولة الوطنية الجزائرية، المنسجم كل الانسجام مع تطلعات شعبنا”!

لم يتنبه الذين أخرجوا هذه الصياغة العجيبة، إلى أن النص الذي أرادوه عنصر تطمين يساعد على إخماد الحراك الشعبي، ستكون له آثار عكسية، وستؤجج الحراك الشعبي أكثر فأكثر ولن تفلح في الالتفاف عليه. ذلك لأن على من يزعمون نشدان الانتقال السلس للسلطة، هم الذين يجعلون هذا الانتقال صعبا، ويصرون على إنكار عجز رئيس الجمهورية عن أداء مهام مسؤوليته، ويصادرون حق الجزائريين في اختيار رئيس الجمهورية القادر على التغيير حسب ما ينص عليه الدستور. فهؤلاء، باتوا في نظر الشارع، يفتحون أبواب النزاع الأهلي، ظنا منهم أن هذه هي الطريقة الأمثل لحماية مراكز القوة التي استحوذوا عليها، على الأقل منذ العام 2013 مستفيدين من عجز رئيس الجمهورية.

بخلاف ذلك، قدمت حيثيات الرسالة التي تلاها عبدالغني زعلان، مدير حملة بوتفليقة الانتخابية، اعترافا صريحا بشيخوخة الجمهورية التي يمثلها الرئيس والإقرار بحاجتها إلى الإصلاح السياسي والمؤسساتي، وإلى التغيير على أصعدة الاقتصاد والسياسة، بل والاعتراف الصريح بأن الدولة التي تريد مجموعة بوتفليقة أن تُظفر بالعُهدة الخامسة، لا تنسجم مع تطلعات الشعب الجزائري!

في هذه الأثناء يجدر القول إن جذر المشكلة الجزائرية يبدأ من عفونة الرؤية لدى كل من الموالاة والمعارضة. فهذه الأخيرة مازالت هي الأخرى بغير أنساق معرفية، وتقتصر تطلعات رموزها على كرسي الحكم وبعد ذلك لكل حادث حديث. فإن عددنا الراغبين في الترشح للرئاسة مقابل بوتفليقة، من طيف المعارضة، نلاحظ أن عدد هؤلاء بلغ مئتي شخص. معنى ذلك أن هناك أكثر من مئة وتسعين يرغبون في الجلوس على كرسي الرئاسة في ظلال الجيش ومراكز القوى ومنظومة تحالفاتها لكي تظل الأحوال كما هي. وتتبدى هذه الحقيقة بجلاء، من خلال أصل وسياق الحراك الشعبي الذي لا فضل في قدح شرارته للأحزاب السياسية.

فقد نجح الجزائريون، ومعظمهم من الشبان الذين يواجهون انسداد الأفق، في تحرير قدرتهم على المبادرة. أما الأحزاب فهي التي سارعت إلى تخليق أدوارها من خلال ردود الأفعال والاجتماعات والانسحابات من السباق الرئاسي وغير ذلك.

وصحيح أن الأحزاب من خلال مساندتها للحراك الذي بدأ يوم 22 فبراير الماضي، أعطته زخما وزادته حماسة، لكن الصحيح الأهم أن الحراك بدأ واستمر بالفاعلية الشعبية لا الحزبية، تجسيدا لمقولة الشعب السيد القادر وحده على كسر الممنوعات.

فالجزائريون يعلمون منذ العام 2001 أن المظاهرات ممنوعة، وفي فترة الإنفجارات الشعبية العربية التي حدثت في العام 2011 وقعت في العاصمة الجزائر بعض المظاهرات المحدودة التي نجحت السلطة في احتوائها، لكن الحراك الراهن، شارك فيه ما يزيد عن ثلاثة عشر مليون نسمة في جميع الولايات حسب تقديرات غير رسمية، وشهدت العاصمة في الجمعة الماضية بركانا شعبيا، تسبب في التراجع الكلي للغة الازدراء التي كان يتحدث بها أفراد المجموعة التي تبنت ترشيح الرئيس لولاية خامسة، إذ لجأت هذه المجموعة إلى منطق الاسترضاء والتحايل، لتمرير الترشيح مع وعود بالانسحاب.

فأمام هدير الشعب، أصبح كل ما تحتاجه المجموعة الممسكة بخيوط السلطة، بعض الوقت لكي تعرف كيف يحقق أفرادها لأنفسهم انسحابا آمنا خلاصا فرديا. وزاد الطين بِلة بالنسبة لهؤلاء أن خرج من بين كادرات حزب جبهة التحرير الوطني، مؤيدون كثر للحراك الشعبي، في انعكاس طبيعي للوضعية المتردية للحزب الذي تولى الثورة وحقق الاستقلال!

وللإنصاف، كان الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، قد نجح في عهدتيه الأولى والثانية، في تحقيق المصالحة الوطنية وتجفيف بؤر الإرهاب، والإقلاع بالجزائر إلى خارج مناخات سنوات عشر صعبة وسوداء، بل نجح في تقليص دور الأجهزة الأمنية، وأسس تحالفا حزبيا من جبهة التحرير الوطني مع ثلاثة أحزاب أخرى مجاورة، وفتح هامشا للمعارضة غير المنسجمة لكي تؤسس منابرها الإعلامية مع آلية لمراقبتها وضبط إيقاعها، لكنه وقد اعتزم في البداية القضاء على الفساد، ظلت همته تخبو إلى أن أصبح حتى العام 2013 بلا رغبة في التعرض للفساد الذي شارك فيه محسوبون عليه، ولما أصيب بالجلطة التي أوقعته وأقعدته، لم يتبقّ منه سوى رمزيته التاريخية التي بدأ معاونوه في الاتجار بها لإطالة أمد نفوذهم في حضوره شكلا كرئيس للجمهورية!

لكن هذه الرمزية لا تتعارض مع حقيقة انتهاء أعمار وأدوار الرموز، لاسيما عندما يُستغل العنصر الرمزي لاعتصار المجتمع والتغطية على فشل بوتفليقة في العبور بالجزائريين خطوة من الرخاء الاجتماعي، وفشل في مراكمة عناصر الاقتصاد القوي ذي الإدارة العصرية والنزيهة، كما فشل في الدفع بالسياسات الداخلية إلى التطور الديمقراطي الذي من شأنه أن يتيح المجال للأكفأ والأصلح.

في هذه الآونة، تكون مرت أكثر من أربع سنوات على عجز الدولة عن إطلاق عملية شبه تنموية لاستيعاب خريجي الجامعات والطبقة العاملة. فلا توظيف ولا أفق للشباب، ما جعل الكثيرين منهم يرتادون البحر هربا من الفاقة في بلدهم الغني بكل أنواع الثروات. وأدرك الماكثون في البلاد، أن وطنهم يقع بين براثن أخطبوط الفساد واستغلال النفوذ وقوى التهميش.

وعندما حاولت الفئة الممسكة بمقاليد الأمور استدراك الأمر، ورفعت قليلا نسبة الإنفاق الاجتماعي على الصحة والتعليم والسكن، لاحظ الجزائريون أن الجيش لا يزال يحظى بنصيب الأسد من الثروة، فلم ينجح الرفع النسبي في ترضية الناس ولا في التغيير الجذري.

وبموجب الحقائق الاقتصادية، أصبح الجزائريون في ظل ضعف الرئيس أمام عودة غير محمودة لحكم العسكر المباشر، أمام نقص مطرد في احتياطي العملة الصعبة، وارتفاع تدريجي لنسبة العاطلين عن العمل. وكل ذلك كان مشروحا في الإعلام الحزبي وفي الندوات. وبدأ منسوب الغضب يرتفع في العام الماضي، بتأثير وقائع فساد فاجر وكبير، من أمثلته تورط مسؤولين مدنيين وعسكريين في محاولة جلب 701 كلغ من مادة الكوكايين.

وفي العام نفسه، عادت مرة أخرى أو تكررت على نحو أفدح، قصة اختلاس 26 مليار دولار التي فجرها عبدالحميد الإبراهيمي بعد إقالته من منصب رئيس الوزراء في العام 1988 وهربه إلى بريطانيا، لكي لا يغتاله المتورطون.

فقد تداول الإعلام المحلي الجزائري أرقاما تتعلق بالدخل من عائدات البترول والغاز، وقيل إنها بلغت تريليون دولار في الفترة من العام 2002 إلى 2014، وأن المتنفذين اختلسوا من هذا الدخل مئتي مليار دولار أودعوها في حساباتهم في بنوك في الخارج.

مثل هذه الأرقام من شأنها إشعال الغضب الشعبي، ودفع الشباب إلى الاستبسال لكي يتحقق التغيير ويظفر الجزائريون بجمهورية جديدة، وبطبقة سياسية جديدة، وبحكم موصول بالإرادة الشعبية، وبالمؤسسات الدستورية الضامنة للحياة السياسية الرصينة!

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com