تعزيز الانفتاح شرقًا خيار مستقبلي واعد – إرم نيوز‬‎

تعزيز الانفتاح شرقًا خيار مستقبلي واعد

تعزيز الانفتاح شرقًا خيار مستقبلي واعد

عبدالوهاب بدرخان

الجولة الآسيوية لولي العهد السعودي لفتت الدوائر الغربية بأبعادها المتعدّدة، المعلنة وغير المعلنة: التوجّه نحو الشرق، الاستثمار المستقبلي الذكي والمفيد، تدعيم المكانة الإقليمية والدولية للمملكة، التأثير المتوقع لهذا الانفتاح على الصراع مع إيران وإنْ لم يكن ذلك هدفه وأولويته الآن. ومع أن هذا التوجّه السعودي ليس جديداً ولم تدفع إليه أحداث معينة، بل ظهر في جولة سابقة للملك سلمان بن عبد العزيز، وفي ملتقى «طريق الحرير» خلال الصيف الماضي، إلا أن المحللين الغربيين ربطوه ببعض العثرات التي ظهرت أخيراً في العلاقة بين الرياض وبعض العواصم الغربية، سواء ما يتعلّق منها بحرب اليمن والموقف من إيران أو بأزمات المنطقة. والمستغرب أن يتناسى هؤلاء الجولات الأميركية والأوروبية للأمير محمد بن سلمان وضخامة الاستثمارات التي التزمتها السعودية في مجالات التحديث وتدشين مجالات صناعية لم تكن موجودة سابقاً في المملكة.

من هنا فإن التوجّه إلى الشرق ليس بالضرورة نتيجة استياء من الغرب، ولا هو وليد انفعال سياسي ظرفي، بل هو تطوّر منطقي والأصحّ أنه تأخر كثيراً، لكنه يأتي في اللحظة التي يُجمع فيها الخبراء على أن المراكز المقبلة للأسواق والنمو الاقتصادي ستكون في الصين والهند، وتتنافس الدول الغربية نفسها على انتزاع عقود لها في هذه المنطقة. ولا شك أن النمو في اقتصادات معظم دول الخليج يرشحها لدور إنْ لم يكن بحكم القرب الجغرافي فبحكم المصالح، عدا عن أن هذه الدول تستقبل منذ عقود عمالة آسيوية وتساهم بالتالي في اقتصادات عديدة مجاورة. ولعل المبرر للتأخير أن الصين والهند وباكستان وكذلك دول الخليج كانت في طور تنظيم اقتصاداتها وبلغت الآن المرحلة التي أصبح معها تعاونها مجدياً للجميع، كما أصبح ممكناً التفكير بمشاريع ضخمة تربط في ما بينها.

هناك دافع مريح في هذا الانفتاح على الشرق، وهو أن تبادل الاستثمارات وإدارتها لا يخضعان لتعقيدات أو شروط سياسية، حتى لو كانت هناك قضايا تستدعي التقارب والتداعم. فعندما تقدم السعودية أو الإمارات والكويت على الاستثمار بمليارات الدولارات في الصين والهند، فإنها لا تفعل ذلك بسبب ضغوط سياسية بل بحثاً عن منافع متبادلة وبناء لرؤية مستقبلية تقترح تغييراً في بنى الاقتصاد الدولي وعدم تركّزه في منطقة معينة. بدهي أن السعودية باقية على ارتباطاتها المالية والاقتصادية والسياسية بالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، لكن الواقع بات يفرض عليها توسيع خريطة استثماراتها في الصناعات النفطية التي راكمت فيها خبرات أو في مجالات الطاقة المتجدّدة والتكنولوجيا الحديثة التي تشهد انطلاقات مهمّة في بيئات آسيوية منافسة للتكنولوجيات الغربية. وقد أشار أكثر من مسؤول صيني إلى مجالات تقنية عدة أحرزت فيها الصين تقدّماً ويمكنها أن تتيحها للشركاء في أي مشاريع تعاونية، ومن ذلك مثلاً إطلاق قمرين صناعيين سعوديَي التصميم. وتضاف إلى ذلكَ التجاربُ التنمويةُ التي نجحت فيها الصين بتشجيعها استنباط الأنماط والمشاريع انطلاقاً من الحاجات المحلية.

حتى لو لم تكن هناك رهانات مسبقة فإن لهذا التوجّه الاستراتيجي نتائجه بعيدة المدى، نظراً لترابط قضايا الأمن والسياسة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. فالمفهوم العام الذي تقترحه الصين مثلاً أن أي شراكات تُبنى أساساً على تحقيق فوائد الجميع، وأن لكل طرف أن يجتهد محلياً لتحقيق أفضل النتائج منها. أي أن الاقتصاد الناشط وفرص العمل تعزّز الاستقرار السياسي وتقلّص من نوازع العنف والتطرّف. ومن الواضح أن الاستقرار في منطقة الخليج عموماً، وفي السعودية خصوصاً، وانعكاسه على المجتمعات، يقوم خصوصاً على ثبات الدولة، وكذلك على ثبات الاقتصاد ونموّه وتطوّره المستدام، وهذا ما يمدّه بالمناعة.

يبقى أن جولة الأمير محمد بن سلمان تأتي على خلفية تطورات سياسية إقليمية بالغة الحساسية. فمن جهة حان الوقت للشروع بإنهاض الشأن العربي من الكبوة الخطيرة التي تعرّض لها، بل حان أيضاً إرساؤه على أسس وتطلعات جديدة، والاقتناع العربي العام أنه كلما كانت السعودية قوية تعزّز الأمل في التعافي العربي. كما حان الوقت لظهور إمكانات السعودية وطاقاتها في موازين النفوذ الإقليمي، ليس فقط لتحصين أمنها واستقرارها بل أيضاً لإظهار الفارق مع النهج الظلامي الذي غرقت فيه إيران ورهنت مستقبل شعبها برهاناته الواهية.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com