سعيد عقل: شاعر الشام

سعيد عقل: شاعر الشام

كان نزار قباني لا يتردد في القول إنه طالما تأثر بسعيد عقل. لكنني لا أعتقد أن كثيرين من شعراء القرن الماضي بلغوا براعته في الصوغ الشعري. كان مزيجا نادرا من العراقة والحداثة.

سمير عطا الله

كان سعيد عقل طاقة أدبية وإنتاجية كبرى، ولذا، شعر أن عليه أن يملأ لبنان طوال الوقت. الصحافة كانت وسيلته لبضع سنوات، لكنه عاد فأنكرها. كتب في «لسان الحال» جريدة مسائية سريعة. ثم كتب في «السفير» العروبية التي فتحت أبوابها للأديب النقيض. غير أنه ظل من خارج الأشياء والأمور الاجتماعية. مجرد ضيف من الخارج، يكتب على هواه، دون أن يلتزم سياسة أو أسلوب المطبوعة المضيفة، سواء في «الصياد» أو في «السفير»، التي قدمت موهبته الأدبية على انتمائها القومي.

رفض سعيد عقل دوما أن يصنف طائفيا. قال في لقاء مع الدكتور كمال ديب في أوتاوا «الحياة» إنه يرتضي أي لبناني كفؤ رئيسا للجمهورية. وقال إن اثنين من ثلاثة صنعوا لبنان مسلمان، هما صائب سلام ورياض الصلح. ورفض تهمة العنصرية ضد الفلسطينيين قائلا، إنهم أصحاب قضية عادلة. لم يختلف معهم سوى في «الحرب على لبنان» التي رفض أن يسميها «حربا أهلية». وقال إن «الخونة سموها كذلك لكي يتجنبوا المحاكمة كمجرمي حرب».

في تلك الحرب وقف أيضا ضد سوريا، هو الذي كتب: / يا شام عاد الصيف متئدا.. وعاد بي الجناح

صرخ الحنين إليك بي.. ونادتني الرياح / فأنا هنا جرح الهوى.. وهناك في وطني جراح / وعليك عيني يا دمشق.. فمنك ينهمر الصباح!

كان نزار قباني لا يتردد في القول إنه طالما تأثر بسعيد عقل. لكنني لا أعتقد أن كثيرين من شعراء القرن الماضي بلغوا براعته في الصوغ الشعري. كان مزيجا نادرا من العراقة والحداثة، وبيانا مشرقا وقافية متألقة:

يا قارئ القرآن صل له.. أهلي هناك وطيب البيدا / من راكع ويداه آنستا.. أن ليس يبقى الباب موصودا / أنا أينما صلى الأنام رأت.. عيني السماء تفتحت جودا.

تلك قصيدته في مكة البادئة:

«غنيت مكة أهلها الصيدا.. والعيد يملأ اضلعي عيدا». وقد حمل صوت فيروز سعيد عقل «العروبة» إلى كل مكان في مكة والقدس والشام، الثلاثية التي رددها كارهوه ومحبوه. غير أنه ظل في حياته اليومية ملازما عشق لبنان، ولا عشقا آخر. وقد سئل مرة في برنامج زاهي وهبي، كم مرة أحب؟ فقال: «لقد أحبتني ثماني نساء». وعندما كرر زاهي السؤال، كرر هو الجواب.

عاش وحيدا إلا من زواج قصير المدة انتهى بانتحار الزوجة التي أغرم بها، كما شغفت به في شبابه نسوة كثيرات. فقد كان وسيما، طاغي الحضور، يتحدث كأنه على مسرح إغريقي في دور سقراط. وقد رأى في نفسه معلما في الأدب والفكر والتاريخ واللاهوت. وإذ حافظ على كلاسيكية الشعر، حاول أن يحمي كلاسيكية الفن، فحمل على بيكاسو، وكل من شوه ما سماه الدكتور جوزيف صايغ «أشياء الجمال عند سعيد عقل» في كتاب بهذا العنوان صدر في الستينات. ولم يحب الضعف ومظاهره ولا الاستسلام للحزن. وكان يقدر الكلمة سواء كانت كلمته أو كلمة سواه، ولذا، كان يحاسب الصحف على سعر الكلمة، لا سعر المقال.