أبوظبي.. بيت العائلة الإبراهيمية

أبوظبي.. بيت العائلة الإبراهيمية

رضوان السيد

بعد إعلاناتٍ متواليةٍ من قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة عن بيوت عبادةٍ ومؤسسات وجوائز تقدير، احتفاءً بلقاء الأُخوة الإنسانية في أبوظبي بين البابا وشيخ الأزهر، أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، عن إنشاء «بيت العائلة الإبراهيمية»، لكي يستمر اللقاء ويمتدَّ أثرُه وتتعمق معانيه ودلالاته. وللعائلة الإبراهيمية في الدين والتاريخ معنيان: أُسرة إبراهيم أبي الأنبياء المكوَّنة من ولديه إسماعيل وإسحاق. والأسرة الإبراهيمية التي أسَّسها إبراهيم وتشمل الديانات الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام. وفي حين ما يزال اليهود يركِّزون على البُعد النَسَبي للعائلة باعتبار أنهم وحدهم يتحدرون من إسحاق، فإنّ هذا البُعد بالذات تراجع اعتبارُهُ لدى المسيحيين والمسلمين لصالح البُعْد الديني والإنساني للدعوة الإبراهيمية، لأنّ المواريث الروحية لإبراهيم هي الأَولى بالتقدير، وفي القرآن قولُهُ عزّ وجلّ إجابةً على سؤال إبراهيم: «قال: ومن ذريتي، قال: لا ينال عهدي الظالمين». ولو كانت للنسَب الأولويةُ فإنّ المسيحيين يستطيعون الاستناد إلى مريم عليها السلام، وهي من سُلالة إبراهيم، كما يستطيع المسلمون الاستناد إلى إسماعيل بن إبراهيم جدّ نبي الإسلام محمد صلّى الله عليه وسلَّم.

ويصر القرآن على اعتبار أنّ الإسلام هو الحنيفية الحقّة التي ينتمي إليها إبراهيم نفسه. ويتكرر ذكر هذا الانتساب منذ السُوَر المكية. فالدين واحد، والإعلان الاعتقادي واحد وشامل: «قولوا آمنّا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربِّهم، لا نُفرِّقُ بين أحدٍ منهم، ونحن له مسلمون».

وطوال التاريخ الإسلامي نشبت جدالاتٌ بين اللاهوتيين المسيحيين واليهود من جهة، والمتكلمين المسلمين من جهةٍ ثانية بشأن الانتساب الديني، أو اعتبار الإسلام من الديانات الإبراهيمية. وهذا ظاهرٌ في النوع أو الجنس الأدبي الجدالي المعروف بـ«الرد على النصارى». أما في الأزمنة الحديثة، فإنّ متغيرات الرؤية بشأن هذا الانتساب ظهرت في الأوساط اللاهوتية الكاثوليكية، وقاد هذا الاتجاه المستشرق الكبير وعالم الإسلاميات لويس ماسينيون، وانضمَّ إليه في جيل الخمسينيات من القرن الماضي عشرات المفكرين واللاهوتيين الكاثوليك من تلامذة ماسينيون وغير تلامذته. وانحسم الجدال لصالح انتماء الإسلام إلى الدين الإبراهيمي في المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) الذي جاء في مقرراته أنّ المسلمين مثل المسيحيين واليهود يعبدون الإله الواحد، وينتسبون إلى إبراهيم، ويمارسون عباداتهم باسم الله الرحمن الرحيم. وتحت شعار، الديانات الإبراهيمية انعقدت مؤتمرات كثيرة وورشات عمل ولقاءات وزيارات متبادلة للتأكيد على القواسم المشتركة في الاعتقاد والعبادة والأخلاق بين المسلمين والكاثوليك. وتأخرت الكنائس البروتستانتية بعض الشيء، وفضّلت الحديث عن المشتركات دونما ذكرٍ للنَسَب الديني الإبراهيمي، حتى حصل ذلك في تسعينيات القرن العشرين.

ولننظر في ردّة فعل المسلمين على هذا الاعتراف بإبراهيميتهم. أما المؤسسات الدينية، مثل الأزهر والقرويين والزيتونة، فسارعت إلى الاستجابة. في حين لاحظ بعض المفكرين المسلمين الخائفين من التبشير، أنّ المطلوب الاعتراف بالإسلام وليس بالمسلمين فقط. وقد أجاب الفاتيكانيون المتخصصون بالإسلام، أنّ هذا هو المقصود، لأنّ مقررات المجمع الفاتيكاني تعتبر المسلمين مؤمنين بالإله الواحد، وهو الاعتقاد الرئيس في الدين الإسلامي. ولذا فقد انتهى الجدال في المسألة، وبخاصةٍ أنّ معظم الذين كانوا ما يزالون مصرين على «تبشير» المسلمين هم من المرسَلين من الكنائس البروتستانتية الجديدة.

«بيت العائلة الإبراهيمية» مؤسسة هي الأُولى من نوعها في العالم. وهي تجد الاعتراف والترحاب من الدينين الكبيرين، المسيحي والإسلامي. ولها أنصارٌ في اللاهوت الإصلاحي اليهودي. وقد اعتادت دولة الإمارات في الجهات والمؤسسات التي ترعاها، مثل مجلس الحكماء ومنتدى تعزيز السلم، دعوة اللاهوتيين المسيحيين واليهود إلى مؤتمراتها، وإشراكهم في مقرراتها وتوصياتها الداعية إلى الحوار والسلام وتعزيز علاقات الأخوة بين أتباع الديانات، وممارسة التسامح والتعارُف في المجال الإنساني العام. ولذا فإنّ بيت العائلة الإبراهيمية، والذي لا يفرق بين أخٍ وآخر، كما جاء في القرآن الكريم، ستكون لديه مبادرات أكاديمية لتعميق القواسم المشتركة، وعهود الأخوة والشراكة وأُخرى عامة يحضر فيها أتباع الديانات الثلاث، وينضمُّ إليهم آخرون من غير أهل الديانات الثلاث. فقد كان إبراهيم عليه السلام، كما يحدثنا القرآن الكريم، سمحاً وكريماً ويرعى حقوق الضيافة والجوار القريب والبعيد. فهنيئاً لدولة الإمارات بهذه الرعاية لسُنّة إبراهيم، ومتابعة هذا الميراث العريق، الإبراهيمي والعربي، الفاتح لآفاق التضامن الديني والإنساني.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com