فى رفض مهادنة الرجعية أو مساومة السلطوية

فى رفض مهادنة الرجعية أو مساومة السلطوية
عمرو حمزاوي

مهمة أولى تقع على عاتق الحركة الديمقراطية في مصر تتمثل في العمل القانوني والمدني لمواجهة انتهاكات حقوق الإنسان والحريات المتكررة والدفاع عن الضحايا والتضامن مع ذويهم والإصرار على محاسبة المتورطين في الانتهاكات ــ ومن ذلك ودون توقع نجاحات سريعة مثلا مطالبة السلطات القضائية ووزارة الداخلية بإجراء تحقيق ناجز وشفاف في سقوط قتلى ومصابين في مظاهرات ميدان عبدالمنعم رياض التى أعقبت إعلان الأحكام في قضايا الرئيس الأسبق مبارك ومعاونيه في 29 نوفمبر الماضى، ومن ذلك مطالبة السلطات القضائية بالرد العلنى على تقارير منظمات حقوقية مستقلة بشأن ممارسات الاعتقال والحبس الاحتياطى وبشأن أوضاع المسلوبة حريتهم دون أحكام قضائية صدرت أو إجراءات تقاضى بدأت، ومن ذلك أيضا التمسك بنقد القوانين القمعية/ الاستثنائية التى أجيزت خلال الفترة الماضية والتعديلات القمعية/ الاستثنائية التى أدخلت على قوانين قائمة وترتب تعطيل ضمانات حقوق وحريات المواطن.

أما المهمة الثانية، والتى يختلف سياق فعاليتها الزمنية عن الآنية التى تتميز بها مواجهة الانتهاكات وجهود الدفاع عن الحقوق والحريات، فهى بالفعل توظيف أدوات النقد الذاتى لإعادة النظر في بعض منطلقات الحركة الديمقراطية في مصر وإنتاج تقييم موضوعى لدورها الراهن والبحث عن سبل تعافيها مستقبلا. هنا، وبجانب قراءة الخبرات العالمية الملهمة لحركات ديمقراطية مكنها النقد الذاتى من تجاوز وهن عقود السلطوية أو وهن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمراحل التالية للحروب والاستنزاف العسكرى أو وهن استقطاب مجتمعى حاد يزين للناس مقولات الاستبداد على حساب الفكرة الديمقراطية ونظم الحكم القامعة للحقوق والحريات كبديل لسيادة قانون وتداول سلطة يرادف زيفا بينهما وبين الفوضى والانهيار، ينبغى التفكير في حقيقتين واستنتاجين مترابطين:

حقيقة أولى ــ لا حياة سياسية اليوم في مصر تستطيع الحركة الديمقراطية في وضعية الوهن الراهنة المشاركة بها بكفاءة تنافسية، أو بقدرة فعلية على إحداث تغيير آنى في السمات السلطوية لإدارة شئون المواطن والمجتمع والدولة.

استنتاج أول ــ قد يكون من الأفضل على المدى الزمنى القصير التحرر من ضغوط ما تبقى من طقوس حزبية وممارسات انتخابية ومزايدات علنية، واستثمار الطاقات المحدودة معرفيا وتنظيميا لصياغة خطاب يقترب على المديين الزمنيين المتوسط والطويل من (بعض) الناس مجددا عبر تجاوز التناقضات التى تلحق الضرر البالغ بالفكرة الديمقراطية بسبب مساومة السلطوية على «مكاسب» جزئية أو التورط في التحايل على حقوق وحريات أساسية لاسترضاء قطاعات شعبية محافظة أو مهادنة قوى اجتماعية رجعية.

حقيقة ثانية – تنعدم فرص تعافي الحركة الديمقراطية من وضعية الوهن الراهنة، ما لم تنجز الأصوات والمجموعات المنتسبة إليها انفتاحا مستداما على قوى وحركات اجتماعية تحمل مبادئها وتدافع عن قيمها وآلياتها.

استنتاج ثانى ــ لا بديل عن تصحيح الخطأ القاتل الذى تورطنا به حين طغت السياسة وطقوسها وممارساتها ومزايداتها، وهمشت أولوية صناعة قاعدة شعبية مستقرة عابرة للأجيال ومتخطية لثنائيات الحضر ــ الريف والأغنياء ــ الفقراء وأصحاب الأعمال ــ العمال والقديم ــ الجديد وبين التنظيمات غير الحكومية، وإنتاج رؤية متماسكة بشأن المواطن الذى نبحث عنه وهوية المجتمع الذى نريده وطبيعة الدولة الوطنية التى ندافع عنها. ولا سبيل لهذه القاعدة الشعبية المستقرة سوى بإعادة الاعتبار للمجتمعى على حساب السياسى، ولا سبيل لرؤية متماسكة عن المواطن والمجتمع والدولة دون تحرير الفكرة الديمقراطية من أضرار المساومة مع السلطوية والتورط في التحايل على حقوق وحريات أساسية بهدف الحصول إما على مكاسب جزئية أو تحقيق مهادنات مؤقتة مع القوى الرجعية.

غدا هامش جديد للديمقراطية في مصر.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com