الأزمة اليمنية المركبة وآلية الحلول

الأزمة اليمنية المركبة وآلية الحلول

لواء/ قاسم عبدالرب العفيف

الأزمة اليمنية لم تكن وليدة الصدفة، ولكنها تراكم لتاريخ طويل من الصراع، وكانت البداية من هزيمة الخلافة العثمانية، وانسحابها في نهاية الحرب العالمية الأولى التي سلمت الأرض لإمام اليمن الزيدي، والذي شكّل بعدها دولة المتوكلين الهاشمية في صنعاء، وعلى الفور بدأت هذه الدولة تصارع شمالًا وجنوبًا؛ من أجل التوسع لكسب الأرض إلى أن استقر بها الأمر إلى توقيع اتفاقات حدود العام 1934 م مع جيرانها في الشمال والجنوب.

أضاع العرب وقتًا ثمينًا بعد الحرب العالمية الثانية، ونشوء نظام عالمي يتمثل بنظام القطبين في صراعات عبثبة توزع فيها العرب بين المتصارعين، وأصبحت الأرض العربية ميدانًا للحروب والصراعات التي تغذى من طرفي الحرب الباردة؛ لتزداد اشتعالًا وتتوسع الفرقة ببن الشعوب العربية.

ومع سقوط الحرب الباردة وللمرة الثانية أضاع العرب الفرصة التاريخية التي سنحت في الخروج نحو آفاق جديدة في بناء مشروعهم العربي الذي يحمي مصالح شعوبهم، بل ادخلوا في صراعات وحروب لها أول وليس لها آخر ….بدأ المسلسل في غزو الكويت تلا ذلك غزو الجنوب لتغيير خريطة البلدان القائمة والمعترف بها دوليًا، وادخال البلدان العربية في حالة تدمير ذاتي تحت دواعٍ، منها الديني أو الطائفي والعرقي، وبذلك تم تحطيم ما تم بناؤه خلال ستين عامًا في غمضة عين، وأصبحت بعض البلدان العربية ركامًا من الدمار الشامل.

لم تستطع الدول العربية، رغم وجود جامع لها تمثل في الجامعة العربية أن تجد وسيلة لردم الصراعات وتوجيهها نحو التنمية، وانتشال أوضاع الشعوب العربية من الفقر والجهل والمرض، وبالتالي حماية الأمن القومي العربي، حتى لم تكن هناك مواقف جادة ضد المشروع الاستعماري الاستيطاني الذي تم زرعه في قلب العالم العربي؛ لفصل شرقه عن غربه، وسارت الأمور نحو الانغلاق وبناء السدود والجدران المنيعة فيما بينهم، وفي نهاية المطاف وجد العرب أنفسهم أمام مشروعين إضافيين …..مشروع تركي يتطلع إلى إعادة الخلافة العثمانية، ويستخدم تنظيم الإخوان المسلمين وتوابعه في البلدان العربية أداته الرئيسيّة، وكاد هذا المشروع أن يستولي على مصر وتونس وليبيا، أما المشروع الآخر فهو المشروع الإيراني الذي استلم العراق على طبق من ذهب من الأمريكان بعد غزوه للعراق الذي استخدم الطائفة الشيعية وسيلته التي تتواجد. في كثير من البلدان العربية، وحتى إن لم تكن موجودة يقوم بزرعها لتصدير الثورة الخمينية، ولَم ينتبه العرب إلا وقد استولت على أربع عواصم عربية.

السؤال الكبير هل آن للعرب أن يكون لهم مشروعهم العربي الخاص بهم يحمي أمنهم القومي ؟

ما يجري في اليمن انعكاس لواقع عربي مرير مفكك تمكنت مشاريع أجنبية من الدخول إليه مستخدمة إدارة ماضوية تداخلت مع فساد النخب اليمنية الطامعة للاستئثار بالسلطة والثروة.

جذور الأزمة في اليمن هي الاقصاء، ولا اعتراف بحق الآخر، وهي متأصلة وفِي عقول النخب المتوزعة بين الإمامين الهاشميين والقبليين والسياسيين، فيما كانت تعرف بالجمهورية العربية اليمنية مستمدة ذلك من بذرة قد غرست عند إنشاء كيان مملكة المتوكلين الهاشمية، والتي ترى أن لها الحق على أرض الله في اليمن، والكل يجب أن يخضع لها ويتبعها، وتم استدعاء كل الماضي السحيق وتطويعه لأهدافها وتطلعاتها، واستمر ذلك النهج رافعًا الراية، كل ورثة النظام الأمامي بعد ثورة سبتمبر الجمهوري والذين سارعوا إلى اعتبار الجنوب ملحقًا أو فرعًا تابعًا لهم غير عابئين بالواقع الذي ترسخ عبر قرون، والذي يشير إلى أن هناك نشأ مجتمع جنوبي متعدد قد خط طريقه بشكل ثابت في الاستقلالية في كل مناحي الحياة و الثقافة والاجتماع.

من عادة صنعاء نقض المواثيق والعهود، فالجنوب لم يكن لديه مشكلة في الوحدة فقد تقدم خطوة، وذهب بدولته بثرواتها وأرضها ومؤسساتها وسكانها إلى صنعاء، ولكن سرعان ما أدارت صنعاء ظهرها، وبدأت تغيير اتجاهها نحو إقصاء الجنوب كليًا من الخريطة حتى شنت حربًا في صيف 94 م وفِي مؤتمر الحوار في صنعاء أعلنت الحكومة والأحزاب أسفهم لما حصل من غزو، وتعهدوا أن ذلك لن يتكرر، ولكن لم يجف حبر ذلك الاتفاق إلا وتقوم صنعاء بتحالف جديد بالغزو الثاني للجنوب العام 2015، وتنقلب على كل مخرجات حوار صنعاء.

سيدخل العام الخامس على الحرب ضد الانقلابيين، ولَم يتحقق الانتصار إلا بالجنوب وبالمقاومة الجنوبية التي لا تزال تلعب الدور البارز في تحرير الساحل الغربي مع التحالف، وأيضًا في جبهات صعدة وغيرها، أما بقية الجبهات التي تحت مسؤولية الشرعية المباشرة في سبات عميق، وأصبح الخلل معروفًا عند الجميع، ومن المستحيل أن يتحقق أي انتصار بعد الْيَوْمَ عدا أن الجنوب يتم تسليمه عبر الشرعية للإخوان المسلمين ( اخونة الجنوب ) والشمال يتم تثبيت الأمر الواقع فيه ( حوثنة الشمال ) وأي استمرار للحرب بهذه الطريقة سيكون عبثًا لا طائل منه، والمتضرر الأكبر هو الشعب شمالًا وجنوبًا.

اتفاق ستوكهولم أصبح يحمل طابعًا أمميًا، وسيأخذ مداه ويمثل ضياعًا للوقت وهدرًا للإمكانيات؛ لأنه لا توجد هناك آلية تمتلكها الأمم المتحدة ومجلس أمنها ملزمة لتفرضه على الأطراف المتحاربة، وقد تم نقضه من أول يوم ولا يزال المبعوث الأممي يقطع آلاف الكيلومترات للقاء بين الطرفين؛ لمحاولة تطبيق ما تم الاتفاق عليه، ولا أحد يعلم كم من الوقت يستغرق لكي يتم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه حول مدينة واحدة وميناء واحد، وفِي الوقت الذي أصبحت فيه الحرب استنزافًا لمقدرات الشعب اليمني شمالاً وجنوبًا.

هل نستطيع أن نغيّر الزاوية؟

إذا استطعنا أن نغير الزاوية نستطيع أن نغير النظرة إلى ما حولنا نحو الأفضل نحو الإيجابية نحو التطور والتنمية هذا التحدي يطرح الْيَوْمَ بإلحاح على كل مواطن شريف، وعلى كل من يريد أن يعبر إلى المستقبل الأفضل بعيون جديدة دون نظارات سوداء لا ترى فيها إلا الماضي الأليم.

علينا أن نعترف أننا فشلنا في كل مناحي الحياة بالتمترس على حدود الماضي بأوساخه وعفونته، فقد ظلت تغذيه النخب التقليدية القبلية والسياسية والعسكرية؛ لكي تحافظ على وضعها وتحكمها وإدارتها وتغذيتها للصراعات والفتن ليخلو لها الجو؛ لكي تستمر في نهب ثروات الشعب، وتعيث في الأرض فسادًا تعيش فوق القانون، وتخلق الأزمات؛ لكي تحمي مصالحها وتشن الحروب البينية؛ لكي تزيد من استثماراتها ونهبها لكل مقدرات الشعب، وبالأخير لا تهمها مصالح الشعب وقد تحالفت مع حركة مذهبية جديدة لا تمت للمجتمع اليمني بأي صلة، وجلبت التدخل الإيراني؛ لتمزق النسيج الاجتماعي والتعايش بين المذاهب اليمنية، بل سمحت لأن تتحول الأرض اليمنية إلى ساحة معادية للجوار العربي.

أصبحت الوحدة بعد كل ما جرى من الماضي، وكما أن أقلمة اليمن أنتجت الحرب القائمة التي ادخلت الإقليم والعالم في صراع ميدانه الأساس اليمن شماله وجنوبه، ولن نستطيع الخروج من هذا المأزق إلا باتباع مسار جديد يتمثل بمصالحات تاريخية متتالية تبدأ على مستوى الجغرافيا السياسية في الجنوب والشمال كل على حدة، وأقصد من ذلك أن لا ضير أن تكون لتعز أو الحديدة أوغيرها في الشمال خصوصيات يجب أن تتفهمها صنعاء في إدارة الحكم مستقبلًا، كما لا ضير أن تكون لحضرموت والمهرة وغيرها في الجنوب خصوصيات يجب أن تتفهمها عدن في إدارة الحكم مستقبلًا، وأيضًا عدى ذلك تشمل تلك المصالحات الحقوق الخاصة ورد الاعتبار لمن اهدرت حقوقهم من قبل نظامي الحكم في الجنوب والشمال، هذه المسائل وغيرها يجب أن تجد لها مكانها في ارساء العدالة، وبعد ما ينتج عن تلك المصالحات المحلية في الجنوب والشمال تكون هناك مصالحة تاريخية بين الجنوب والشمال، كل جانب يعترف بحق الآخر في الوجود أولًا، ويتم تسوية العلاقات المستقبلية على أسس جديدة يسودها التعاون والتضامن بين الجانبين لمصلحة المستقبل، والحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي والاقليمي والدولي، وهذه الفرصة الوحيدة والممكنة الماثلة أمام الجنوب والشمال، ولا اعتقد أن شعب الجنوب سينتظر طويلًا، وعليه أن يختار طريقه في بناء دولته التي تضمن مستقبله وأمنه واستقراره.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com