بيان براءة

بيان براءة

مشاري الذايدي

تبرأت جماعتا اثنين من إرهابيي جريمة الأحساء (قرية الدالوة السعودية)، التي وقعت مؤخرا، منهما، وخلاصة البراءة هي أن الفرد الإرهابي شاذ عن الجماعة ولا يمثلها، وأن الجماعة تتبرأ منه.

الأمر جيد من ناحية اتخاذ موقف أخلاقي واجتماعي من الإرهاب المتسربل بالدين، ونبذه، قد يقال: إن السبب في هذا هو حماية مصالح المجموع ضد جناية فرد منه، وهذا لا بأس به، فمن يجرد البشر من التفكير بمصالحهم؟! خاصة إذا كانت مصالح جماعية لا فردية. فكلما فكر الإنسان بمصالح تتجاوز ذاته المفردة كان أرقى، فالتجريد لا التجسيد، سمة التحضر.

لكن من المهم هنا التأكيد على مسائل مهمة، منها أن المسؤولية القانونية حتى الدينية، وبالطبع الأخلاقية، هي مسؤولية فردية في المقام الأول، ولا شأن لجماعة الفرد بجريرة الفرد، فكل نفس بما كسبت رهينة، والجناية معلقة برقبة جانيها.

اصطفاف الجماعة هنا – على فائدته الاجتماعية الإعلامية – يثير قضية بالغة الأهمية، وهي العلاقة بين الفرد والجماعة في المجتمعات العربية والإسلامية، بمعنى لو أن مجرما قام بسلسلة من القتل والتبشيع في بلد ما في أوروبا الغربية، هل ستبادر عائلته وجماعته لإصدار بيانات البراءة الجماعية من مايكل أو جون أو ماري؟

الفردية هي ميزة المجتمع القانوني الحديث، حيث الفرد هو مصب القانون ومجاله، والطرف الذي تتعامل معه الدولة، والجماعات ذات صفة نقابية عملية. في المقام الأول.

للفردية حسناتها وسيئاتها، لكن هنا في شرقنا المعاصر، اضطربت الأمور، فلم نعد ضمن شبكات الأمان الاجتماعي القديمة، بما تحمله من إضعاف للاستقلال الفردي، مقابل التضامن والحماية، ولم نخضع بعد لسلطة القانون، بشكل عميق، بما يوفر بديلا عن الشبكات القديمة، مثل الذي أضاع مشية الحمامة الشهير.

في 2006، لاحظت أمثلة متتالية من بيانات البراءة هذه، في منطقتنا، من جماعات متنوعة.

وجهت عائلة نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم الخدام، رسالة لبشار الأسد، استنكروا فيها التصريحات التي أدلى بها خدام في مقابلته على قناة ”العربية“ التي وصفها الموقعون على الرسالة بأنها ”مأجورة“.

وصدر عن عشيرة رئيس الدولة العراقية السابق، والسياسي السني الشهير في العراق، غازي الياور، بيان منسوب إلى عشيرته وعائلته وقع في يونيو (حزيران) 2004.. بيان براءة منه أيضا بسبب دخوله العملية السياسية في ظل الأميركان.

في أغسطس (آب) 2004 تصدر عشيرة الخزاعل الشيعية، وهي عشيرة وزير الدفاع في حكومة علاوي، حازم الشعلان، بيانا تتبرّأ فيه منه لنفس السبب.

في الأردن، البلد المجاور للعراق، أصدرت عشيرة الخلايلة، بيان براءة من ابنها أبو مصعب الزرقاوي بسبب تفجيرات فنادق عمان.

في الجاهلية، كان هناك الصعاليك، وهم الذين تنزع عنهم العشيرة حمايتها. وإمامهم كان طرفة بن العبد. قال في معلقته:

إلى أن تحامتني العشيرة كلها

وأفردت أفراد البعير المعبد

الفرد مسؤول أولا، دينيا وقانونيا، وأخلاقيا. مع التقدير لهذه البيانات.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة