بحر الرياح المتقلبة

بحر الرياح المتقلبة

المصدر: سمير عطا الله

الذين عاشوا في الخليج يعرفون أنه عاش ملاحم كثيرة، الشمس والحر والرطوبة والجذب والغوص.

وكانت إمارات الخليج مجتمعات صغيرة تتقاذفها موجات الاحتلال والاستعمار: البرتغال، بريطانيا، إيران، تركيا، ومن قد نسينا. وكانت حذاقة الحكّام، غالبا، في التعايش على الحافة بين قوتين، كما كانت تفعل الكويت، التي حافظت على استقلالها بين علم بريطانيا وعلم تركيا.

ووسط ذلك كله، كانت تلك الدول الصغيرة تتعامل بالروبية الهندية وتستخدم الشرطة والجنود من السيخ والنيباليين وسواهما.

هناك مراجع كثيرة لتلك المرحلة تراها في كتب الرحّالة، وخصوصا، في مؤلفات المعتمدين السياسيين والمستشارين البريطانيين، الذين دّونوا الحياة اليومية في تفاصيل دقيقة، تبدو قراءتها ممتعة اليوم، لكن كم كانت شاقة وصعبة في زمنها. وأحد هذه المؤلفات مذكرات السير تشارلز بلغريف، الذي عمل مستشارا لحكومة البحرين عشرينات القرن الماضي.

وصل بلغريف إلى المنامة وليس فيها بعد كهرباء أو مروحة، وتُحمل إليها مياه الشرب مرة كل أسبوعين في القوارب. ولم يجد الرجل المتزوج حديثا، مكانا يسكن فيه إلا مديرية الشرطة. ولم يكن في سجن المديرية سوى بضعة سارقين فقراء يفضِّلون النوم في السجن.

لا يخطر لصاحب المذكّرات، الذي أمضى أكثر من 30 عاما في البلد، أن يطرح سؤالا محيرا، طالما طرحته على نفسي وأنا أقرأ عن ملحمة الغوص وشقاء اللؤلؤ: لماذا، دون سائر الخليج، تجمَّع اللؤلؤ في مياه البحرين، التي كان يقصدها الغواصون من سائر النواحي الأخرى؟ لست أدري. وبقدر ما اطلعت، فإن أحدا لم يجب عن السؤال.

سمى الآشوريون الخليج “بحر الرياح المتقلّبة”. وأورد المسعودي وصفا واسعا لمواسم الغوص، لكن ليس معروفا ما هو الدقيق منه، وما هو المثير.

كان بلغريف ضيف إحدى هذه الرحلات: “بعد صعودنا دعاني النوخذة لمشاركته الجلوس على ما يشبه الرّق، وهو المكان الذي ينام فيه ويحفظ صندوقه الخشبي (الخزنة). وكان طاقم السفينة يتألف من 60 رجلا يجلسون في الوسط وفي يد كل منهم سكين صغيرة يفتحون بها محارات اللؤلؤ المتراكمة من حولهم، ويتفحصونها بعناية أملا في العثور على الكنز الثمين. وعندما يعثر أحدهم على لؤلؤة، يضعها بين أصابع قدمه، فإذا تجمعت لديه لؤلؤتان أو ثلاث، يعطيها للنوخذة الذي يراقب جميع الرجال، طوال الوقت، بعيون حادة خوف السرقة. وعندما تُفتح جميع المحارات، تعاد إلى البحر من جديد”.

لماذا؟ لأن المحار الحي يتغذّى من المحار القديم. وما اللؤلؤة إلا حبات من المطر. فعندما تهطل الأمطار يصعد المحار إلى سطح المياه لاستقبالها بين دفتيه. وبعدها تتحول القطرات إلى لؤلؤ! وحكايات المسعودي عن الغوص أكثر زهوا. فالغواصون يخاطبون رفاقهم في الأعلى، من تحت المياه، بالنباح كالكلاب. كيف يمكن ذلك يا صاحب “مروج الذهب ومعادن الجوهر”؟ “الإنجليز” يفضّلون أن يدونوا ما شاهدوا. “أبو ناجي”، سماهم العراقيين.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع