الاستراتيجيات المرنة

الاستراتيجيات المرنة

عبدالله بن بجاد العتيبي

الاستراتيجيات هي الخطط الطويلة الأمد لتحقيق الأهداف المستقبلية، وهي إن لم تكن مرنة ومتجددة وقابلة للتغيير والتطوير تفقد أهميتها وقيمتها حين تتغير الظروف والمعطيات، وتختلف التحديات والتوازنات، ومرونتها وتجددها دليل عافية وقدرة سريعة لاستيعاب المتغيرات وتطوير التعامل معها.

كتب كاتب هذه السطور وغيره قبل سنوات محذراً من عودة الحرب الباردة إلى الشرق الأوسط، التي تتخللها حروبٌ ساخنة هنا وهناك، وما يجري في منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة أثبت ذلك بشكل جليٍ، وهذه الاستراتيجيات المرنة هي الأفضل لمواجهة هذه التغيرات الكبرى.

الدخول الروسي لسوريا، بقواعد عسكرية ثابتة، غير كثيراً من المعادلات، هزيمة «داعش» وإسقاط خلافته المتوهمة وإجباره على العمل كتنظيم إرهابي وليس كدولة كما كان يدعي متغيرٌ مهمٌ، التدخلات العسكرية التركية في سوريا والعراق أمرٌ جديدٌ وخطيرٌ، التمدد الإيراني في أربع دولٍ عربية تتصاعد مواجهته عربياً، ومواجهة المشروع التوسعي الطائفي الإيراني أصبح هاجساً للإدارة الأميركية الحالية، وما يجري في السودان وفي اليمن، وموضوع الإرهاب والأصولية، كلها تحديات تحتاج لاستراتيجيات مرنة لمواجهتها.

سقط «حلف بغداد» إبان الحرب الباردة سريعاً وبعد ثلاث سنواتٍ من إنشائه، وهو الحلف الذي أنشأته أميركا لمواجهة الشيوعية، وكان يضم إيران والعراق وتركيا وباكستان وبريطانيا، وهو ما سعت قطر بعد مقاطعتها من الدول العربية الأربع إلى محاولة إعادة إحيائه مع إيران وتركيا على طريقة العودة لمتاحف التاريخ، وهو شاهدٌ على هذا السياق.

السعودية الدولة الأهم لقيادة الدفاع عن مصالح الدول والشعوب العربية في هذه المرحلة، أنشأت في السنوات الأخيرة تحالفين عسكريين كبيرين هما «التحالف العربي» و«التحالف الإسلامي»؛ الأول لدعم الشرعية في اليمن والثاني لمواجهة الإرهاب، وهما تحالفان ناجحان وبالغا التأثير في مجريات الأحداث في المنطقة والعالم.

وقد نجحت السعودية في أن تكون القوة الأكبر دولياً في التحكم في أسعار الطاقة لا من خلال منظمة «أوبك» فحسب، بل من خلال إعلانها عن مخزوناتها من الطاقة الذي تمّ مؤخراً وكذلك في بناء تفاهمٍ مهمٍ مع روسيا في هذا المجال المهم لكل دول العالم.

كما سعت السعودية ضمن هذه التغيرات الكبرى إلى محاولة خلق كياناتٍ سياسية واقتصادية قابلة للاستمرار ومؤثرة في كل معادلات المنطقة وتوازناتها، فهي قادت المصالحة الكبرى بين إريتريا وإثيوبيا وشكرها الأمين العام للأمم المتحدة على ذلك الأسبوع الماضي، وأعلنت عن كيان لدول البحر الأحمر وخليج عدن، وهو كيان مهم فيما لو تمّ تطويره لنوعٍ من التحالف السياسي والاقتصادي في المنطقة والعالم.

تجول في المنطقة أفكارٌ لاستراتيجياتٍ كبرى، بعضها واضحٌ وبعضها ليس كذلك، مثل فكرة «الناتو العربي» وفكرة «صفقة القرن» وغيرها من الأفكار الكبرى التي إذا تمّت فستسهم في تغيير وجه المنطقة، بغض النظر عن التفسيرات التآمرية التي تحيط ببعضها، وتبادل الاتهامات حول بعضها الآخر.

تبدو الإدارة الأميركية الحالية مصممة على مواجهة النظام الإيراني ووضع حدٍ لكل استراتيجياته التخريبية ليس في موضوع الملف النووي فقط، بل في مواضيع انتهاك سيادة الدول ونشر التخريب والفوضى ودعم الإرهاب والطائفية، وغيرها كثير، وهو موضوعٌ يتسق مع الاستراتيجية المعلنة للسعودية وحلفائها العرب لمواجهة النظام الإيراني، وهي أعلنت عن مؤتمرٍ وزاري حول الشرق الأوسط وتعزيز السلام والاستقرار فيه سيعقد في وارسو الأسبوع المقبل بتجمعٍ دولي كبيرٍ، وأعلنت الانسحاب من سوريا ولكنها عادت للتأني في تطبيقه على الأرض.

وقد دعا الأردن الأسبوع الماضي إلى اجتماعٍ تشاوري لست دولٍ عربية انعقد في البحر الميّت، ولم يكن له أجندة ولا جدول أعمال، ولكنه يتعلّق بالأزمات الإقليمية ومصالح الدول العربية حسبما صرّح بذلك وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي الذي صرّح عقب الاجتماع قائلاً إن «اللقاء كان تشاورياً بين أشقاء وأصدقاء» وأضاف: «لقد كان لقاء لتبادل وجهات النظر حول قضايانا الإقليمية وحول سبل تعاوننا من أجل تجاوز الأزمات الإقليمية بما يحقق الأمن والاستقرار، وهذا هدف مشترك بالنسبة إلينا وبما يحقق مصالحنا العربية».

بالتوازي مع كل هذه التغييرات الكبرى تستمر السعودية في بناء نموذجٍ تنموي كبيرٍ وإصلاحاتٍ اقتصادية هائلة، وتقديم هذا النموذج للمنطقة بأسرها حتى يتمّ التحوّل الكبير للمنطقة لتصبح «أوروبا جديدة» كما هو التصريح الشهير لولي العهد السعودي، ضمن «رؤية السعودية 2030» وضمن عشرات البرامج الكبرى المساندة لها، التي كان من آخرها البرنامج الضخم «برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية» الذي أعلن عنه الأسبوع الماضي، ومئات المبادرات الساعية للتغيير الحقيقي والفعّال للدولة والمجتمع.

حين تنجح الدول العربية في بناء نماذج تنموية واقتصادية ناجحة تزداد قوة في توازنات المنطقة، وحين تتجه بعد ذلك لتحالفاتٍ سياسية وعسكرية تكون أكثر قوة وأبلغ أثراً، وحين تدخل في التحالفات الدولية تكون قيمتها عالية وتأثيرها مباشراً، وهو طريقٌ لا مناص عنه في البحث عن القدرة والمكانة والتأثير الدولي.

نجحت السعودية وحلفاؤها من الدول العربية في الانتصارات التي تمّ تحقيقها إبان الحرب الباردة، فنجحت في مواجهة المدّ اليساري والقومي في خمسينات وستينات القرن العشرين، كما نجحت بالتحالف مع أميركا والغرب في مواجهة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان مطلع الثمانينات، ونجحت كذلك في النجاح في التحالف الدولي لتحرير الكويت وطرد قوات صدام حسين مطلع التسعينات، وصولاً لسقوط الاتحاد السوفياتي.

هذا حدث في الماضي، والسعودية الجديدة التي تعمل وفق أعلى المعايير الدولية في تحقيق القفزات في القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها كثير هي أقدر على استشراف المستقبل وصناعته ومواجهة التحديات، وهو ما يمكن للمتابع والراصد ملاحظته ومراقبة تطوراته.

هذا مع كل ما تواجهه السعودية وحلفاؤها في المنطقة من ممانعة غريبة من عدد من المؤسسات الدولية إن في مواجهة المشروع الإيراني الذي تتمنع فيه الدول الأوروبية، أو في الأزمة اليمنية التي لا تدار بالشكل الصحيح من قبل المؤسسات الدولية العاملة هناك، أو في مواجهة الحركات الأصولية والإرهابية المدعومة من تركيا وقطر.

مثل هذه التقلبات التي ليس لها معنى إلا تصاعد حرب باردة جديدة في المنطقة، تحتاج بالفعل لمرونة مطلوبة في بناء الاستراتيجيات ومرونة في تعديلها وتطويرها على الدوام.

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com