تبرئة مرة ولا القتل مرتين

تبرئة مرة ولا القتل مرتين

سمير عطا الله

لست أدري إن كان القاضي الذي أصدر الحكم في تبرئة الرئيس الأسبق حسني مبارك كان ينظر فعلًا في ملف من ألف صفحة، أم في وجه وتعابير الرجل الماثل أمامه على محفّة. ردة الفعل في الشارع المصري، وفي شوارع الإنترنت، كانت متوقعة. ففي أيام الرومان كان الإمبراطور يسأل رأي الجمهور في ختام المصارعة، بين رجل مهزوم وآخر منتصر: هل يترك المهزوم يعيش؟ لا. تصرخ الجماهير: فليُقتل.

يجب أن نفهم غرائز الجماهير، سواء في الشارع أو في ملعب كرة بريطاني. الذي لا أفهمه هو رد فعل سياسي بارز مثل حمدين صباحي، يعترض على حكم القضاء في الشارع السياسي، بدل دار المحكمة. صحيح أن مبارك شخصية عامة وقضية عامة وقانون عام، لكن الرجل يواجه تهمًا معينة ومحددة، ولقد حوكم وبُرّئ منها. أما محاكمة عهده، ومحاكمة أسرته، ومحاكمة ضعفه أمام أكثر المقربين إليه، فهذا أمر مفتوح للنقاش، في كل مكان.

وسوف ينقسم الناس حول مبارك كما انقسموا حول عبد الناصر والسادات. ولم ينقسموا حول محمد نجيب، لأنه عاش مظلومًا، ومات مظلومًا، وعمل شقيقه سائق تاكسي إلى أن عرف السادات بالأمر وتوسط له بوظيفة ناطور في شركة عثمان أحمد عثمان!

لا أعتقد أن مبارك يريد البراءة لأنه يريد الخروج إلى أي مكان. ففي وضعه الصحي الواضح على وجهه، لا يريد الرجل سوى البقاء في المستشفى قريبًا من العلاج. ولو أراد حقًا الخروج من مصر لكان استقلّ طائرة خاصة في الأيام الأولى. كل ما يريده هو البراءة، خصوصًا من تهمة القتل، أو الأوامر بالقتل. أما ما عدا ذلك، أي الخضوع لإرادة زوجته، ورغبات جمال مبارك وضحالة سلوكه السياسي، بدل سمعة مصر، فأعتقد أنه يريد الاعتذار، وليس العفو.

لقد كان آخر مصري في آخر ترعة يعرف إلى ماذا سيؤدي توريث جمال مبارك، ولا يعقل ألا يدرك الرئيس ذلك. وكانت عموم مصر تدرك ما هو الشعور الوطني حيال الابن، ولم يكن مسموحًا للأب الرئيس ألا يدرك ذلك. كل هذا ماضٍ الآن، وثمة حقيقة واحدة: لا يجوز قتل رئيس مصر مرتين. قد يسقط عن محفّته.

*الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة