حكومة فلسطينية وحوار في موسكو

حكومة فلسطينية وحوار في موسكو

عدلي صادق

في خط متواز، يُلاحظ حراك الشيء ونقيضه في المشهد الفلسطيني. فقد كان الحديث في الأسبوع الماضي يتركّز على حكومة فصائلية دعا رئيس السلطة، محمود عباس، إلى تشكيلها. وعندما يقول من موقعه في رام الله إن الحكومة التي يريدها فصائلية، فإنّ القصد هو أن تتشكل من فصائل منظمة التحرير، أو ما يتجاوب منها مع هذه الدعوة.

في الوقت نفسه والأسبوع نفسه، جرى الحديث عن حوار فلسطيني في موسكو. وكان سفير السلطة الفلسطينية لدى روسيا، هو الذي تطوع للحديث عن هكذا حوار يجري بحضور حماس يوم 12 فبراير القادم.

وبدا من خلال منطوق تصريح السفير الفلسطيني، أن المحاولة الروسية- في حال كانت هناك محاولة فعلا- لا تعدو كونها عملية استكشافية، تتاح فيها لوفود الفصائل فرصة السفر و”تغيير الجو” لأن الروس، حسب السفير، لن يتدخلوا في الحوار الفلسطيني، ما يعني أن الأطراف الفلسطينية التي لم يُجدِ معها التدخل التفصيلي المصري في قضايا الانقسام، يستحيل أن يُجدي معها حوار لا يتدخل فيه الآخرون، ذلك علماً بأن التأثير المصري على الأطراف الفلسطينية أكبر بما لا يُقارن من التأثير الروسي. وهذا يؤشر، باختصار، إلى أن دعوة الفصائل وحركة حماس إلى الحوار في موسكو، بدت عقيمة منذ اللحظة الأولى.

الأكثر عُقما في ما جرى في الأسبوع الماضي، هو الحديث عن حكومة فلسطينية جديدة، وُصفت بأنها سياسية. وجاء هذا الوصف، ليعكس النوايا بتكليف مركزية فتح العباسية، بتشكيل الحكومة ومحاولة جذب فصائل للمشاركة الصورية وغير الوازنة فيها. فمثل هذه الحكومة، ستقطع مع حركة حماس ومع غزة ومع مشروع المصالحة، وستكون أحد أشكال التهيئة للفصل بين الضفة وغزة. ويمكن أن تُعتبر الدعوة إلى حكومة جديدة، رغم تفشّي الحديث عنها وعن أسماء مرشحة لترؤسها؛ محض مناورة جديدة لاستهلاك الوقت والإبقاء على الوضع الراهن والمراوحة في المربع نفسه.

وينظر الفلسطينيون إلى مثل هذا المنحى على أنه محاولة من الطبقة السياسية للتهرب من الاستحقاقات الدستورية والتمكين للإرادة الشعبية. فبعد أكثر من عشر سنوات من الفشل في التوصّل إلى صيغة لإنهاء الانقسام الفلسطيني؛ لم يعد هناك سوى التوصل بمساعدة وضغوط دول الإقليم وجامعة الدول العربية إلى توافق على أن تتولّى هيئة انتخابات مستقلة، التحضير لعملية انتخابية نزيهة وشفافة.

فقد بدا لافتاً طوال السنوات العشر الماضية، أن فتح وحماس تتحاشيان الاحتكام إلى الشعب، وفي فترات تقاربهما النسبي كانتا تميلان إلى المحاصصة، ومن خلال السلوك، كان واضحاً أن حركتي عباس وحماس، كل منهما في منطقة حكمها، اعتمدتا القبضة الأمنية وأسلوب الإقصاء، وفعلتا كل شيء لكي ينقسم الرأي العام الفلسطيني انقساماً حادا، ويتمزق النسيج الاجتماعي ويُبتلى المجتمع بظواهر الهجرة والفقر واليأس، في مرحلة عُدّت من أخطر المراحل في تاريخ القضية الفلسطينية!

لم يلتفت طرفَا الخصومة، للتظاهرات والفعاليات الشعبية الفلسطينية التي تطالب بين الحين والآخر بإنهاء الانقسام والسعي إلى توحيد الصف للدفاع عمّا تبقى من عوامل الوجود الفلسطيني.

وتتكرّر الخطوات الشعبية للتعبير عن رفض حالة الاحتقان المتصاعد بين الطرفين المتنافرين، على الرغم من الجهود المصرية الطموحة لرأب الصدع، وتحقيق المصالحة الوطنية التي طال انتظارها، وأصبحت مطلباً ضرورياً للعمل الفلسطيني، بعدما تبيّن أن الانقسام كان عبئاً شديد الوطأة، وتبين أن الخسائر الناجمة عنه أسوأ من أي نكسة تلقاها النضال الفلسطيني في مسيرته الطويلة. فذلك الانقسام هو الذي أكسب الاحتلال كل هذا التجرؤ واستسهال التمدد الاستيطاني وإفلات المستوطنين المتظرفين، والتعدي على مقدرات الفلسطينيين واستسهال القتل.

ولم يكن هذا كله، سيقع لولا تأكد الاحتلال من كون الطرف الفلسطيني مبعثراً والجماهير الفلسطينية محبطة. فطالما أن الفلسطينيين مشغولون بخلافاتهم، وهم أبعد ما يكونون عن الإجابة عن أسئلة المستقبل، ولا يكترثون لممارسات الهدم والتهجير والتهويد، فإن المجتمع الفلسطيني سيظل ضحيّة في غياب الحاضنة الوطنية والإجماع على القضايا الرئيسة.

في هذا الإطار يمكن النظر إلى المقاربتين الأخيرتين، أي ما يسمى بــ”حوار موسكو” وما يسمى تشكيل حكومة سياسية، باعتبارهما شكلين من أشكال تضييع الوقت والهروب من الاستحقاق الوطني في المصالحة وتجديد الشرعيات عبر انتخابات حرة ونزيهة.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com