صديق أحمق

صديق أحمق

سمير عطاالله

عندما تقول دبي، أو الإمارات، تتراءى لك فوراً راحة البال، وحكام بلا هموم، وديار آمنة لا مشكلات فيها، إلا ربما حركة السير. إذن، لا بد أن تعيد مرة أخرى قراءة «قصتي» من مذكرات الشيخ محمد بن راشد.

في يوليو (تموز) 1973، كان الشيخ محمد وزيراً للدفاع يتفقد إحدى القواعد العسكرية، عندما رنَّ هاتفه اللاسلكي ليبلغ بأن طائرة «جامبو» تابعة للخطوط اليابانية اختُطفت، وتطلب الهبوط في مطار دبي. أغلق الهاتف واتجه فوراً إلى المطار، وأمر بإخلاء جميع المدارج، وتحويل كافة الرحلات القادمة إلى مطارات أخرى.

هبطت الطائرة المخطوفة وعليها 145 شخصاً، بينهم أربعة فلسطينيين، والياباني أوساموا ماروكا قائد العملية. وما لبثت أن انفجرت قنبلة بامرأة من الخاطفين فقُتلت فوراً، ونجت الطائرة بأعجوبة من الحريق. ثم خاطب ماروكا الشيخ محمد قائلاً: من أنت؟ عرَّف بنفسه، فأجاب هذا: «إذن أنت عربي، ولا بدَّ أن تدعم القضية الفلسطينية، إنها قضيتكم». ثم طلب مغادرة الطائرة والاحتماء في دولة الإمارات.

شعر الشيخ محمد أنه وبلاده أمام محنة صعبة. وقرر أن يلعب على عامل الوقت حتى النهاية، حرصاً على سلامة الركاب. كان الطلب الأول لماروكا أن تطلق إسرائيل أحد رفاق الخاطفين، فقال له الشيخ محمد: «قليل من الواقعية يا رجل، فهل تعتقد أننا نتحادث في الأساس مع إسرائيل؟» ثم طلب منه أن يتحدث إلى أحد الخاطفين الفلسطينيين؛ لكنه وجده أكثر توتراً من صاحبه الياباني. فعاد يُحاور ماروكا من جديد سعياً إلى اكتساب ثقته.

ومضى الوضع على هذه الحال ثلاثة أيام، كان خلالها الشيخ محمد على تواصل مستمر مع الشيخ زايد ووالده الشيخ راشد، لكي يعمل بنصيحتيهما. وفي غضون ذلك تمَّ إرسال الطعام إلى الركاب مرتين. وعاد يحاول إقناع الخاطف بإطلاق سراح الأبرياء، قائلاً له: «ليست هذه الطريقة المناسبة للتعبير عن الدعم للقضية الفلسطينية» فردَّ هذا بصوت هائج: «سوف أفجر الطائرة!».

يمضي الشيخ محمد في رواية تفاصيل تلك الساعات العصيبة: «قلت له: أنت أخونا في النضال من أجل القضية الفلسطينية. وأنا أتفهم تماماً دوافعك وعدالة القضية التي تحارب من أجلها، ولكن لا بد أن تكون حكيماً وصبوراً، ونتحلَّى جميعاً بالإنسانية تجاه هؤلاء الأبرياء. أطلق سراحهم. كان يهدأ أحياناً ثم يعود للصراخ، ويقول لدي كثير من المتفجرات، أستطيع تفجير هذه الطائرة الآن».

في النهاية، تم تزويد الطائرة بالوقود، وأقلعت إلى ليبيا، حيث أفرج الخاطفون عن الركاب، وأحرقوا الطائرة في مطار بنغازي. ويعلق الشيخ محمد قائلاً: «شكلت تلك الحادثة درساً مهماً لي في الحياة. عدوٌّ عاقل خير من صديق جاهل وأحمق. ولعل كثرة الأصدقاء الحمقى أضرت بكثير من قضايانا العادلة».

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com