المتغيرات العالمية ورؤى الإسلام

المتغيرات العالمية ورؤى الإسلام

رضوان السيد

هناك متغيراتٌ كبيرةٌ في الثقافة العالمية فيما يتعلق بالتاريخ والدولة والمجتمع ومستقبل العالم. هناك هذا الظهور الكبير لليمين الشعبوي، ومن معالمه كراهية الأقليات والمهاجرين. بيد أن أهمَّ معالمه محاولات هدم الدولة الحديثة ذات الصبغة الليبرالية والديمقراطية وحكم القانون. ويبدو ذلك بوضوح في الانتخابات التي تحصل في الدول الكبرى والوسطى بأوروبا والأميركيتين. ولأنّ هذه النزعات حتى الآن، لا تتحدى الأنظمة القائمة بالعنف، بل بالانتخابات والتظاهرات الصاخبة؛ فإنّ بعض المراقبين سمَّوا هذه الموجة: موجة الديمقراطيات الشمولية. إنما هناك أيضاً ميل لدى الشبان الصاخبين من اليمين واليسار للتحدث عن «المشاركة» من خارج البرلمانات والحكومات، دون أن تظهر حتى الآن صِيَغٌ معقولةٌ لذلك. وأول المُعانين حتى الآن الأحزاب السياسية التقليدية الكبيرة من يمين الوسط أو يسار الوسط، والتي ينصرفُ عنها الناخبون.

إنّ هذا الشكل من أشكال التغير في مزاج الجمهور ليس له حتى الآن منظِّرون أو أنصار بين كبار المثقفين الليبراليين أو اليساريين. وإنما تقتصرُ عروض هؤلاء على التوصيف والارتياع ومحاولات الفهم من أجل اقتراح إصلاحاتٍ على الأحزاب والحكومات.

التغيير الذي يحصل بقوةٍ وسرعةٍ يتناول مقولات المثقفين الكبار في أصول الدولة الحديثة في الغرب والعالم. وقد حصلت الموجة الأولى لذلك لدى مَنْ سُمُّوا بمدرسة فرنكفورت النقدية، والتي يستنتج بعض المراقبين أنه كان لمفكرِّيها تأثيرٌ كبيرٌ في موجة شباب عام 1968، أو موجة اليسار الجديد. وهي الموجة التي أفْضت إلى نقدٍ قويٍّ للأنظمة الرأسمالية، ولخطابها الاستعماري وما بعد الاستعماري في بلدان العالم الثالث. فتصاعدت بذلك خطابات المساواة والمواطنة والجندر والتعددية وحقوق الإنسان.

أما الموجة الثانية التي تحدث الآن، فتتناول لدى المثقفين بالنقد الجذري الأصول الليبرالية للدولة الحديثة، وترى أنها تعطي تلك الدولة سلطاتٍ مطلقة واستغلالية، وأنها تتحول إلى إمبريالية في زمن الاستعمار وما بعد الاستعمار.

ونحن نعرف منذ السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي تيار نقد الخطاب الاستعماري وشخصياته الشهيرة مثل غوندر فرانك وسمير أمين وإدوارد سعيد وطلال أسد وتشاترجي وسلفاتوري وآخرين كثيرين. وكان هؤلاء وتلامذتهم حتى التسعينيات وما بعدها يقفون في وجه خطابات العداء للإسلام، ويقترحون سياساتٍ أُخرى تجاه الإسلام والمسلمين. وقد انخفض صوتُ تلامذتهم جزئياً بعد العام 2001 وانتشار العنف باسم الإسلام. لكنهم في السنوات الأخيرة يذهبون بعيداً في نقض الأصول الليبرالية للدولة الحديثة، ويدرسون تأثيراتها على الثقافات والأديان خارج أوروبا وأميركا.

وينقسم هؤلاء قسمين كبيرين: الأول يدرس العلمانية وتياراتها المختلفة، ويعدّد آثارها التخريبية على الإنسان ومصائره. لذلك فهم يعتبرون أمثال إدوارد سعيد وجون رولز واهمين عندما يعتبرون أنّ إعادة الغربيين إلى العلمانية الليبرالية هو الحلّ. بمعنى أنه إذا عاد الغرب لنفسه والأصول الأولى لأنظمته العلمانية الإنسانوية؛ فإنّ الصلاح والإصلاح كفيلان بإزالة أوضار الإمبرياليات. يقول هؤلاء المراجعون: إنّ العلة متأصلةٌ في هذا الاعتقاد الإنسانوي الأوحدي!

أما القسم الثاني من هؤلاء المراجعين النقضيين، فتنصبُّ أعمالُهُم على دراسة التاريخ المؤسسي والثقافي والديني في المستعمرات، مثل الهند وتركيا ومصر وماليزيا وإندونيسيا وآسيا الوسطى والبلقان؛ ومنذ القرن التاسع عشر وإلى أواسط القرن العشرين. والطريف أنّهم يعتبرون أنّ الإصلاحيين السلفيين، والإصلاحيين التحديثيين، إنما دخلوا في مقتضيات الخطاب الاستعماري عندما اعتبروا التقليد عدوَّهم الرئيس. فالإصلاحيون الحداثيون هجموا على التقليد، ومضوا باتجاه القيم الثقافية والسياسية والحضارية الغربية. والسلفيون هجموا على التقليد وعلى الحداثة في الوقت نفسه. فأسْهم الحداثيون في الدخول تحت سقف الحداثة الامبريالية، وسدَّ السلفيون وجماعات النهوض الذاتي الأُفق من كل جانب بحيث حدث الانفجار، والذي لم تمنعْهُ الدول الوطنية لأنها عانت من شبهات النشأة، وما أنتجت إداراتٍ صالحة.

هل يعني ذلك أنّ الحلَّ في العودة للتقليد؟ وائل حلاّق في كتبه الثلاثة الصادرة أخيراً بالعربية: الدولة المستحيلة، والشريعة، وقصور الاستشراق.. لا يرى ذلك؛ لأنّ التقليد تعطَّل تحت وطأة مائتي عام من الإعاقات والهجمات الغربية والإصلاحية. إنما لا يمكن الركون إلى الحداثة والتنوير الغربيْين، وليس بسبب الموجة الشعبوية الحالية فقط، وإنما للأصول الفاسدة وغير الإنسانية للدولة الحديثة! فإلى أين نذهب إذن؟ طه عبد الرحمن يرى أنّ الدولة الأخلاقية ممكنةً عندنا وفي العالم. لكنّ لذلك حديثاً آخر.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com